اقتصادسلايدر

سورية الرديئة.. بيئة طاردة للأعمال

في دولة نامية، ينهض اقتصادها بشفافية، اتبع (س) نصيحة مصرفه لمواجهة تكاليف بدء النشاط في مشروع إنتاجي يريد تنفيذه، فاستخدم حيواناته وأغذيتها وأدويتها وتجهيزاتها، كضمانة للاقتراض. وبعد فترةٍ وجيزة انطلق مشروعه، وراح يكسب المال. علّق (س) مبتهجًا أمام وسائل إعلام دولية: “إنني اليوم أستخدم إنتاجي في سداد القرض”. استفاد (س) وغيره من رواد الأعمال من سجل للضمانات، يتيح لمنشآت الأعمال تسجيل الأموال المنقولة، مثل الآلات والمنتجات، كضمانة للاقتراض من البنوك، ومنها أكبر البنوك في بلده، حيث يُستخدم ريعها في ضمان تقديم قروض لمنشآت الأعمال متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.

وفق مؤشر ممارسة أنشطة الأعمال الذي يصدره البنك الدولي في كل عام، تحسنت مرتبة بلد (س)، بعد أن أجرت حكومته إصلاحات اقتصادية ومالية جريئة، قلصت عبرها الوقت اللازم لبدء النشاط التجاري، من 43 يومًا إلى أربعة أيام فقط. وسنّت قوانين مالية حديثة، وفرت سُبل حماية قوية للدائنين، وأتاحت لشريحة متعاظمة أن تحصل على التمويل اللازم من دون تعقيدات. فضلًا عن اعتماد بيئة إلكترونية -الإصلاح الأهم- ساعدت في زيادة نسبة الاستثمارات الخاصة إلى 60 بالمئة، ورفعت نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر، إلى ما يقرب من 40 بالمئة.

في سورية التي تحكمها عائلة الأسد، منذ خمسة عقود، لم يحظ  المشروع الإنتاجي الذي تقدم به المستثمر الشاب (م) بالتسهيلات التي لقيها نظيره في تلك الدولة؛ حيث إنه عانى عند تأسيسه عقباتٍ وتعقيدات بيروقراطية، أبطأت تنفيذ مشروعه، وضاعفت تكلفة أولى مراحله، خلافًا للدراسة المالية.

ردّ (م) التدهور الذي لحق ببيئة الأعمال، إلى نهج أوتقراطي، فشل في تعزيز التعاملات السلسة، والمنتجة. وإلى سياسة اقتصادية لم تخضع يومًا للشفافية والمساءلة. هكذا تبدو الأوضاع الحكومية في ظل تكلس القوانين والإجراءات التي سنّها البعث (الحزب الحاكم منذ عام 1963) في واحدة من أكثر التحديات خطورة على التطور والنمو، حافَظَ نظام الأسد على أدواته المهترئة، ولم يكن بوارد تحديثها، أو تطوير بنيته السياسية باتجاه حكم جيد، رشيد، تحترم السلطة فيه كرامة وحقوق وحاجات المجتمع. وبخلاف دول كثيرة تمكنت من إنتاج سياسات اقتصادية متطورة، وقدّمت تسهيلات مشجعة ومريحة لقطاع الأعمال، اختصرت الإجراءات والوقت والرسوم والتكلفة، بقي الاقتصاد السوري يعاني خللًا بنيويًا، وأخطاء لم تشهد إصلاحات جادة طوال مرحلة زمنية غير قصيرة.

احتاج (م) للبدء بتأسيس مشروعه الإنتاجي الصغير، في ريف العاصمة دمشق، إلى إجراءات رئيسية، وأخرى روتينية، استغرق تخطيها عدة أسابيع، في الوقت الذي كان التأسيس ذاته لا يتطلب في لبنان، البلد المتاخم لسورية، غير خمسة إجراءات، يستغرق إنجازها تسعة أيام، وفي تركيا المجاورة أيضًا، ستة إجراءات، يستغرق إنجازها ستة أيام فقط.

تعرضت بيئة الأعمال والاستثمار، في ظل نظام الحزب الواحد ومركزية القرار وانتشار الفساد، لضربات موجعة أضرت بها. فعلاوة على غلبة الإنفاق العسكري والأمني وتضخمه، لم يكن النظام ينظر إلى الاستثمار في قطاعات الاقتصاد المنتجة كأولوية، تشد قاطرة النمو إلى الأمام. لكنه ركز على تطوير بيئة أمنية قمعية، تحميه من أخطار محتملة، على حساب قطاعات تنموية أساسية، كانت تحتاج إلى الاهتمام ذاته.

تُطبق الحكومات التي تحقق أداءً جيدًا، على مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، إجراءات تتميز بالكفاءة. أما بالنسبة إلى سورية، فإن تراجع مركزها المتواصل في التصنيف العالمي، خلال السنوات العشر الأخيرة 2009/ 2019، من الدرجة 140 إلى الدرجة 179، إنما يعكس طبيعة السياسات المتبعة، وافتقار بيئة الأعمال إلى عوامل الجذب والاستقطاب.

يتفاعل مناخ الأعمال والاستثمار، مع الحوافز والتكاليف والقيود المفروضة عليه، وتحدد السياسات الحكومية والإجراءات التي تتخذها، مسألة وجود بيئة أعمال سليمة وجذابة لتأسيس الشركات والاستثمار والإنتاج، من عدمه.

في نقاش ساخن، شهدته ندوة الأربعاء الشهيرة التي تعقدها (غرفة تجارة دمشق) أسبوعيًا، أكد أحد المتحدثين أن ما تحتاج إليه الأعمال في سورية هو تبسيط الإجراءات الإدارية للمؤسسات الحكومية.

غرفة صناعة حلب، أضافت في كتابٍ وجهته إلى وزير المالية، عدة عقبات مصرفية، تتعلق بالضمانات، والفوائد، والتسديد، والرهن العقاري، والغرامات، والرسوم. فيما وصفت لجنة درست الواقع في عام 2012 الصعوبات بالتمويلية، والتقنية، والقانونية والإدارية، والمعلوماتية.

إن الإنجاز الأهم للأسد أنه أضرم النار في كل ما حوله، من أجل السلطة. وبدلًا من أن يعزز النمو في بلاده، حولت فاتورة الحرب الاقتصاد إلى جسم ممسوخ يخضع للاستئثار والمحاصصة. قلص فاعلية نشاط الأعمال، وأثّر تأثيرًا سلبيًا في الرواد، وحجّم قطاع الاستثمارات الخاصة، وقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ودفع آلاف الشركات إلى مغادرة البلاد، وبحوزتها الرأسمال السوري، إلى دول مجاورة.

يُقدر مركز (مداد) للأبحاث والدراسات، مقره دمشق، حجم ذلك الرأسمال بنحو 160 مليار دولار، تقاسمها لبنان والأردن وتركيا، فيما بلغ حجم الأموال التي غادرت، بسبب انعدام الثقة في البيئة التجارية والاستثمارية والقانونية، خلال سنوات الازدهار الخادع 2005/ 2010، نحو 120 مليار دولار، وفق مصدر مستقل.

حين تُقارَن سورية بالدول التي تمتلك موارد مماثلة وتصنيفًا متقاربًا في الدخل، فإنها تنحدر إلى أسفل درجات سلّم المؤشر العام لنوعية الحكم، وذلك لأن لديها فجوة على صعيدي الإدارة (حكم القانون، حماية حقوق الملكية، مستوى الفساد) والمساءلة العامة (انفتاح المؤسسات السياسية، مستوى المشاركة، احترام الحريات العامة، شفافية الحكومة، حرية الصحافة).

إن الحكم الرديء لا ينتج -عادة- غير بيئة أعمال متخلفة، مقيدة، بسلاسل ضخمة من التعليمات والتفسيرات والممارسات البيروقراطية غير المنتجة. فهو لا يقلل كمية الاستثمارات الجديدة نتيجة المخاطر فحسب. بل يؤثر سلبًا في نوعية وفاعلية الاستثمارات القائمة أيضًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق