سلايدرقضايا المجتمع

لماذا يُقبل السوريون على طلب الجنسية التركية؟

توسّع، في الآونة الأخيرة، نطاق ظاهرة إقبال السوريين على طلب الجنسية التركية، وصارت تلك القضية، بالنسبة إلى السوريين المقيمين في تركيا، قضية اجتماعية تُثير الجدل، وتشير إلى وجود حاجات ضرورية للسوري هناك، تدفعه إلى السعي لنيل الجنسية التركية. ومن الدوافع إلى ذلك مسألةُ الحصول على وثيقة رسمية تؤهل السوري وتساعده في إمكانية التنقل والسفر، غير أن هناك دوافع أخرى أهمها الحصول على حقوقه المسلوبة، بفعل الهجرة والتهجير القسري الذي مارسه النظام السوري ضد الملايين من السوريين.

حول الأسباب الاجتماعية والقانونية التي تدفع السوري الذي يعيش في تركيا إلى طلب الجنسية، قال الكاتب الصحفي عبد الله سليمان أوغلو، المطلع على أوضاع السوريين في تركيا، لـ (جيرون): “السبب الأول في الإقبال هو السبب القانوني الذي يتعلق بصعوبة تأمين السوري للوثائق الشخصية والرسمية، مثل البطاقة الشخصية (العائلية)، جواز السفر، وما يرافق ذلك من صعوبة الحصول على الإقامة وإذن العمل وفتح حسابات بنكية والسفر، وما إلى ذلك، وهذا يستهلك وقتًا وجهدًا ومالًا كبيرًا في سبيل الحصول على أي وثيقة”.

وأكد أن هناك بعدًا آخر للقضية، وهو “السبب الاجتماعي، لأن السوري عمومًا، أينما حلّ وارتحل، أصبح يُنظر إليه بعين الريبة والشك، وأحيانًا تلاحقه النظرة الدونية في معاملاته الاجتماعية، ولذلك يجد السوري أن الخلاص من ذلك الشعور وتبعاته يكون بالحصول على الجنسية التركية”. ورأى أن “الإقبال على طلب الجنسية سيستمرّ، طالما بقيت الأمور في سورية كما هي، وقد تتغير نسبة الإقبال في حال زوال النظام وعودة الاستقرار. وفي كل الأحوال، أصبح السوري يبحث في قرارة نفسه عن كيفية الحصول على جنسية أخرى غير السورية، أيًا كانت، بحكم ما عانى وكابد خلال السنوات السابقة”.

من جهة ثانية، قالت الإعلامية السورية دينا بطحيش: “أعتقد أن بعض الدول بدأت بالتعامل مع كارثة اللجوء السوري، من خلال توطين وتجنيس أعداد معيّنة من السوريين، لهم ظروف وحالات خاصّة، كـحمَلة الشهادات العلمية والشخصيات السياسية، أو ما شابه، أما في ما يخص إقبال السوريين على ذلك، فإنه مرتبط بما حدث خلال السنوات الأخيرة، إذ عانى كثيرون من لعنة استخراج الأوراق الرسمية، ووقعوا بين نار الدول المستضيفة (حتى المعارضة للنظام السوري) التي لا تتعامل إلّا مع الوثائق الخارجة عن حكومة النظام السوري من دون أي مراعاة للوضع الأمني، وبين ضياع وشتات الوثائق الرسمية. ولذلك سعى كثيرون لإصدار أوراق شبيهة أو مزورة، لتسيير أموره ومعاملاته، علاوة عن تردي مستوى جواز السفر السوري الذي بات بأسفل القائمة، وسعى كثيرون لدفع مبالغ مالية باهظة، بهدف استصدار جواز سفر سوداني، على اعتبار أنه أفضل حظًا من الجواز السوري”.

وأضافت: “كل هذه المعطيات هي نتاج طبيعي لإقبال السوريين على السعي لحمل جنسيات أجنبية، بل إن معظم السوريين يتمنون حصول هذا الأمر، خصوصًا عند وجود أطفال غير مسجلين رسميًا لدى الحكومة السورية. وفي ما يخص استمرار الطلب على الجوازات الأجنبية من قبل السوريين، فمن المؤكد أن الوضع السياسي الحالي في سورية، وفوضى الميليشيات وانعدام الأمن مع بقاء نظام الأسد، هما من أهم الأسباب؛ وليس من المعقول -والحال هذي- أن يترك السوري الجنسية الأجنبية، ويفضل السورية عليها، هذا إذا اعتبرنا أن لدى معظم السوريين نيّة العودة الدائمة إلى بلادهم!”.

أما الطبيب السوري أحمد ليلى، فقد أشار بصورة أساسية إلى وجود أسباب نفسية، وأوضح في حديث إلى (جيرون) أن “الأسباب النفسية هي الدافع الرئيس لإقبال السوريين على طلب الجنسية قبل أي أسباب أخرى؛ ذلك أن الشعور بالأمان الذي ما زال يلهث وراءه كل سوري، منذ بداية الحكم القمعي لآل الأسد في سورية، دفعه إلى السعي، بكل ما أوتي من قوة وإمكانات، لنيل جنسية بلد آخر، حيث إن الشعور بوجود بديل آخر للسوري، يمكنه الاستكانة والرجوع إليه في حالة زيادة الضغوط والأخطار عليه ضمن إطار وطنه ومكانه الأصلي والطبيعي، جعله يضع ذلك هدفًا. وقد بات هذا الهدف (الحصول على جنسية بلد آخر) يشغل بال السوريين وخاصة المقتدرين منهم ماديًا، أو الذين توفرت لهم ظروف السفر إلى الخارج، سواء لتحصيل العلم أو الرزق”.

وتابع: “كذلك يمكن ربط السبب القانوني بالسبب النفسي الذي يظل أساسيًا، فمن أهم الأسباب القانونية التي تدفع السوريين إلى السعي من أجل الحصول على جنسية أخرى، قناعةُ كل سوري، ومنهم المغتربون في دول الخليج، بأن اقتناء جواز سفر آخر يجعلهم يتخلصون من بطش النظام وسلطته، وينعتقون من أي صلة تدفعهم إلى مراجعة مؤسساته والخضوع مرة أخرى لقوانينه وممارساته تجاههم التي لا تخرج من إطار الإذلال ودائرة الاستغلال”.

المحامي السوري أحمد الجراح قال لـ (جيرون): “أي شخص على وجه الأرض يحتاج إلى وطن يعيش على أرضه معززًا، يتساوى فيه كل المواطنين بالحقوق والواجبات. والوطن هو انتماء إلى الأرض واللغة والمصير، والوطن سند للمواطن أينما حل وارتحل، وعلى ذلك؛ فهو يحتاج إلى جواز سفر وهوية وأوراق، لينتمي إلى دولة ما، ويراجع سفاراتها ودوائرها الرسمية”.

وأضاف: “أما الشعب السوري، بعد أن أضاع الوطن ومن قبلها حقوق المواطنة، وشعر بأنه غريب عن أرض سورية. نتيجة قمع السلطة له، وأحسب أن غالبية الشعوب العربية كذلك، فهو يسعى لكي ينتمي إلى جنسية أخرى تحميه، ومعظم السوريين الآن يبحثون عن جنسية جديدة، بعد أن هُجروا واستبيحت دماؤهم وغيبوا في السجون والمعتقلات. إذ لم يعد يشعر المواطن بالأمان. لذلك لجأ إلى طلب الجنسيات من بلدان أخرى، كي يشعر بالأمان. وعيناه ترنوان إلى وطنه الأصلي، وفي قلبه غصة الحرمان والانكسار”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق