مقالات الرأي

سورية.. دستور وقوانين تحت الوصاية

عقب ثمان سنوات من حرب دامية، راكمت الدمار في كافة مناحيه وعمّقت الشروخات المجتمعية، وبالموازاة مع عودة معظم المناطق لقبضة السلطة السورية، وقيام العديد من التسويات الداخلية لاستعادة السيطرة؛ تظهر بوادر إنهاء مرحلة العبث الدولي التي غذتها جميع الأطراف المنخرطة في الصراع والمعنية بالوضع السوري. فإيجاد تسوية سياسية تعيد ترتيب الأمور وتحفظ ما تبقى من سورية، صار أكثر جدية في ظلّ تلويح واشنطن بعصاها الغليظة بوجه كل من روسيا وإيران، وفرضها عودة الملف السوري إلى الأمم المتحدة، وتوجيه المفاوضات بين الدول والأطراف السورية نحو إيجاد بنية قانونية، لتنظيم الوضع السوري كأولوية أممية عبر صياغة دستور لسورية، يكون مقدمة للعبور نحو انتخابات حرة ونزيهة تمهّد لانتقال سياسي.

على الرغم من إصرار واشنطن على بدء عملية سياسية “جادة” بقيادة الأمم المتحدة، وربطها بملف إعادة الإعمار، فإن التراخي في إيجاد حل سياسي للوضع السوري لم يخرج بعدُ من دائرة التشكيك في جدوى المساعي الدولية، وقدرتها على إنجاز تسوية سياسية حقيقية. فاللجنة المختارة ضمن محاصصات السلطة والمعارضة والدول الضامنة، ما زالت موضع نقاش وخلاف حول القوائم الثلاث (النظام والمعارضة والمجتمع المدني)، وبينما اتُّفق على الأسماء المرشحة عن ثلثي المعارضة والحكومة، ما يزال الخلاف على الثلث الأخير المخصص للمجتمع المدني، الذين تعود تسميتهم إلى الأمم المتحدة ومبعوثها، لكن النظام يشترط موافقته عليهم ليمرر اللجنة، ولقلب الموازين والسيطرة على الثلثين. وقد فشل المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، خلال أربع سنوات، في إحراز أي تقدم في العملية السياسية ومنها تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد للبلاد، كما أن “الوصاية” الروسية لا ترى “أي سبب للضغط على عملية تشكيل لجنة صياغة الدستور في سورية”، حسب تصريحات وزير خارجيتها (سيرغي لافروف)، وبالتالي العرقلة مستمرة، واللجنة ما زالت قيد التجاذبات وبانتظار جولات وجولات للمبعوث الأممي الذي سيخلف دي ميستورا.

فشلُ محاولة دي ميستورا الأخيرة في إقفال ملف تشكيل اللجنة الدستورية قبل ترك منصبه، أعاد التسوية إلى حالة العطالة واللعب على الوقت حتى النهاية، فالوقت الضائع كان لصالح النظام طوال الفترة الماضية، وأمّن له ولحلفائه القدرة على استعادة السيطرة على معظم الأراضي السورية، حيث تشكل رصيدًا مضافًا يُكسِبه إمكانية المناورة في التسويات القادمة، إن كان عبر الدستور أو أي وسيلة أخرى قد تفرض لاحقًا، وستؤمن له المماطلة مجددًا وقتًا إضافيًا حتى يُكمل السيطرة على كل سورية ومعظم السوريين، بالإرضاء أو الترويض، وبذلك تعود سورية ودستورها إلى عهدة النظام، باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة بصياغته، فهو لن يعطي بالتهدئة ما لم يعطه أثناء الحرب. وهذا ما بدا واضحًا في لقاء دي ميستورا بوزير الخارجية السوري وليد المعلم، الذي لم يكن مبشرًا للمعوّلين على الدستور، باعتباره مقدمة لتثبيت أركان تسوية بين أطراف النزاع تمكّن جميع الأطراف بالشراكة من إقرار دستور جديد. فرؤية دمشق لاحتمالات الشراكة مع معارضة سياسية لن تتغير، حيث إنها لن تعترف بوجود معارضة سياسية، وتعدّها، بكافة تشكيلاتها واختلافاتها وتباعد رؤيتها، داعمةً للإرهاب، وتَسِمها باللاوطنية.

ويجدر التنبيه إلى أن صفة “اللاوطنية” لم تنل فقط من المعارضة المسلحة أو معارضة الخارج أو ممن رفعوا شعار التدخل العسكري الخارجي لإحداث تغيير داخلي، بل طالت مؤخرًا كافة المحتجّين “الموالين” على القرارات الحكومية. ومثالها الأهم تلك الأصوات التي ارتفعت عقيرتها منددة بالمرسوم 16 الذي أربك شرائح مختلفة، ممن دافعوا في المرحلة الفائتة عن علمانية النظام، وغرقوا في الإسلاموفوبيا الموجهة نحو الأكثرية السنية، أو ممن يرون في هذا التوجّه وجهًا آخر للسلطة، وتحولًا نحو إسقاط مقولة سورية العلمانية التعددية، إذ تعاموا عن أن سورية لم تكن يومًا دولة علمانية.

المساعي الدولية والتوجّه نحو القوننة، باعتبارها مفتاح الحلول لضبط الوضع السوري، عبر صياغة دستور مبني على أساس التوافقات الدولية وتقاطع مصالح الدول المتصارعة على سورية، بما يرضي الدول الخارجية والإقليمية، قابلتها في الداخل السوري قوننة أخرى تشجع الطائفية. فالمرسوم 16 تحول إلى القانون رقم 31، وجرى إقراره بجلسة مجلس الشعب بتاريخ 10/ 10/ 2018 لتنظيم عمل وزارة الأوقاف الموكل إليها التأسيس لنهج جديد، وتهيئة سبل عملها وانتشارها وإعطائها كافة الصلاحيات للتغلغل والسيطرة على المجتمع، بتكتيك وأسلوب مختلفين عن المرحلة السابقة.

هذه الخطوة المريبة، من حيث التوقيت في الانحياز نحو الثقافة الدينية، تطيح حلمَ الكثيرين وتوقهم لدولة علمانية، وتزيد حدةَ التوتر الطائفي الذي كشفته سنون الحرب، ولها تبعات كبيرة وخطيرة على المجتمع. إذ لا يمكن النظر إليها من الناحية الدينية فقط على خطورتها، بل من الناحية السياسية واستخدامها كمكافأة لإرضاء فئة طائفية، سارعت مع فورة الأسلمة التي أصابت الحراك إلى إعلان ولائها للسلطة، ولم تتخلّ عن دعمها لها طوال حربٍ اتخذت في أذهان الكثيرين صفة حرب طائفية، كانت فيها الطائفة السنية محط اتهام بأنها تتبنى التطرف والتعصب الطائفي، خصوصًا في الأرياف حيث ازدادت حدة الرفض للنظام مع التدخل الإيراني والميليشيات التابعة له التي أعلنت حربها على “الإرهاب السني”. ما جعل التأكيد على دور هذه الطائفة وتفعيل نشاطها وإعطائه صفة قانونية مدخلًا لكسب ولائها السياسي في هذه المرحلة، حيث يعمل النظام بطرق ووسائل مختلفة على استعادة ولاء بقية الطوائف ممثلة بمشيخياتها ورجال الدين فيها. فتشجيع الطائفية السياسية وتمتينها والوصاية عليها صار مع التهدئة يشكل مسندًا مهمًا لاستمرار السلطة.

اللعب على التزاوج بين الديني والسياسي ليس جديدًا على السوريين، وتحويلهم إلى رعايا طائفيين يُميَّز بينهم على أساس المعتقد والطائفة ليس طارئًا. أما توقعات الكثير منهم بأنه في حال انتهاء الصراع العسكري سيتم التوجه نحو تشكيل دولتهم، على أساس المواطنة والحريات والتعايش، فهو محض وهم. ويعادل في معطياته خيبة أمل قادمة ستصيب طيفًا آخر من الواهمين، بأن هذا الدستور المنتظر سيكون حلًا سحريًا للمصائب الطائفية ولمنع تفخيخ الواقع السوري مستقبلًا.

سورية لن تعود كما كانت قبل آذار/ مارس 2011، والمجتمع الدولي يدرك أن التسوية السياسية عبر مقررات جنيف هي الطريق الوحيد لحل الأزمة. أما هذا الوقت الضائع بين هدير الحرب والمشاورات للوصول إلى حلول سياسية، فقد جلب مزيدًا من الويلات المتمثلة بصراعات مبنية على الطائفية والإثنية جعلت التأسيسَ لعقد اجتماعي ناظم للمكونات الاجتماعية السورية بعيدًا عن التنفيذ، على الرغم من الضجيج الإعلامي المدوّي. فدستور نهاية الحرب لن يكون دستورًا مبشرًا بسورية جديدة؛ ما لم يراعِ مصالح السوريين ككل ويؤسس لدولة المواطنة، إنما دستور أزمة يخضع لشروط دولٍ تحتل جيوشها سورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close