هموم ثقافية

الفن قيمة متبدلة/ أقوى من أن ننسى

عندما تحدث نيتشة عن “موت الإله”.. كان يقصد موت المسيح، وجنون الكنيسة في القرون الوسطى، أي موت سلطة الكنيسة التي أخّرت أوروبا قرونًا حينذاك، وقد تحدث في كتابه (هكذا تكلم زرادشت) عن أشياء تُنبئ بالحرب العالمية الأولى والثانية، كي تتطهر أوروبا من إثم سلطة الدين المسيحي حينئذ، وسقوط الأيديولوجية المقاتلة الشرسة، التي بدأت من حرّاس الهيكل، وجرائم الصليبيين في كل مكان.

ثم جاء في عصر النهضة المفكر فولتير، وقدّم تصورات مذهلة لنشوء النهضة، وختم حياته قائلًا: “انتهى بي المطاف إلى رجل وديع النفس، لم يتجاوز من العمر أكثر من ثلاثين عامًا، وعجبتُ لمرآه، فقد كانت يداه وقدماه مثقوبتان بالمسامير، ينز منها الدم، وكان جنبه طعينًا بحربة (خنجر قديم)، وعلمت منه أن الكهنة هم الذين فعلوا به ذلك كله، ولما سألته: أأردتَ أن تعلّم قومك دينًا جديدًا، فأجاب: مطلقًا، كل ما قلته لهم: “أحبوا الله بكل قلوبكم، وأحبوا إخوتكم بالإنسانية، كما تحبون أنفسكم، وهو مبدأ قديمٌ قِدم العالم، ومع ذلك فقد نكلوا بي”، سألته عن اسمه، فلم يجب، وقلت: أيًا كان اسمه، فقد أشاع في قلبي الهدوء واستيقظتُ من الرؤيا.

في هذه الرؤيا والرؤية الفولتيرية، اقتنص جوهر التراكم الروحي عند الناس، ووظفها للتنوير لا للتدمير.

الثورات المعرفية والعلمية بخاصة، تعلن -بكل وضوح- الآن موت الفلسفة، موت الأيديولوجيا، والانتقال من الفلسفة أم العلوم، إلى فلسفة العلم، والعودة إلى ديالكتيك الوعي، والخروج من ديالكتيك هيجل، حتى لو أعلن ماركس تخلصه من ديالكتيك الطبيعة وديالكتيك هيجل، فإن مَن تبعه فيما بعد لم يستطع التخلص منه، ولم يكن العلم، قد أخذ سلطته، بهذه القوة وبهذا الحيز الواسع، حيث أصبح للعلم الجديد تحرره من الفلسفة، وخلق فلسفته، الخاصة، لكنه ما زال يختبط في هذا الجانب، الجانب الفلسفي، إنه يولد الآن من رحم الجديد العلمي، ومن رحم الاختراعات السريعة والمتراكمة، كهيجان سونامي على الأرض.

إن الفلسفة والفلاسفة ما زالوا مذهولين، من حجم التغيرات التي تنشأ على هذا الكوكب، حيث انتقلت الفلسفة من أمّ العلوم، إلى تابعة، تعود طفلة وكأنها لم تكن يومًا.

أما الفن، فهو قيمة من قيم علم الأخلاق.. والأخلاق نشأت من رحم الفلسفة، الفن ابن الفلسفة الروحي والتاريخي، القيمة التأملية للخيال، الخيال الذي ينفرد به دماغ البشر بتكاملية استشعارية لما حدث وما سوف يحدث، هو ابن النبوءة، والاستشعار عن بعد، ابنُ الذاكرة التي تحتفظ بمعرفتها الأجيال، وهو كائن متحرك، وكائن ينمو، وقد لا نتعرف إليه، لو عشنا أكثر من متوسط أعمارنا.

كيف سيرى السينما إنسان قبل 200 عام، ربما لن يعترف بفنيتها ووضعها في حقل الفنون. وربما يعزوها إلى السحر أو يعتبرها هذيانًا غير منضبط؛ خربشات على شاشة بيضاء تشوه الحقيقة والواقع. إذًا، ما سوف يكون فنًا بعد مئات وربما عشرات السنين، لن يجعلنا نعترف به فنًا، لو بقينا على قيد الحياة.

المعركة الأولى للإنسان كانت مع الطبيعة، والآن المعركة مع وقعنة الخيال، وجعل الحلم يمشي على الأرض، الإمساك على الوهم هو الفن، والإمساك على الخيال هو وهم الوهم.. هذا كلام قديم، التكنولوجيا تسمح لنا الآن بكل ذلك، الـ “سوفتوير” يحيرنا.. هو وهم الوهم وواقع الوهم.. خيال نمسكه بأصابعنا، صورة واقعية لواقع واقعي من شيء يحمله، ولا نمسكه مثل صورة السكايب في النت، كما كان الصوت في لحظة ما جنونًا، شيئًا غير معقول، صوت يمشي في أسلاك ثم عبر أثير لا نحسه ولا نسيطر على فيزيائيته، ثور الميتافيزيقا، أي ما وراء الطبيعة أو خلالها، الجن في ميثولوجيا الأقدمين.

هل سينتقل الفن إلى هذي المساحات التي تحتار أين تضعها، في الوهم أم الواقع؟

ما الذي سيموت الآن -كما قال نيتشة- بموت الإله؟ موت الفلسفة، موت الأديان؟ أم موت القديم برمته؟ إننا لا ندرك أن هذا الموت المتجزئ، أشبه بموت جلدنا اللحظي، لكننا نرى الجلد ما زال يكسو لحمنا وعظامنا، وكأننا لا ننمو أبدًا؛ لولا أننا نرى صورنا القديمة.

الفن هو أقوى من أن ننسى، هنا يكمن سر الفن القادم، يصير ذاكرتنا، يصير تاريخ الأشياء، منه وعبره وخلاله، الفن يصمد بصمود الدهش، لكنه ليس أزليًا وليس زائلًا، الفن قيمة متحولة في الثبات، وثابت في التحول. وهو أقوى من أن ننسى، لأنه مكوّن رئيس للمشاعر التي لا تذوب.

في تحوّل وتغيّر المشاعر يتغير الفن، وهو جزء من تطور الدماغ التاريخي، وجزء من تطور الخيال المنفلت المنضبط الجامح الساكن المتحرك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق