سلايدرقضايا المجتمع

“الوطنية” في مفهومها “الأعوج”

زعبرَ علينا في الوطنيّة مؤخرًا “أفّاقان وطنيّان”: أحدهما يدعو إلى “الوطنيّة المركزيّة” من خلال الالتحاق بفصيل من الفصائل المنتشرة في سورية هو الجيش السوري، والآخر يدعو إلى “وطنيّة الصرامي” من خلال تحويل نفسه إلى صرماية يلبسها الوطن الحافي. ومع حفظ الألقاب والشتائم، كان الأول “بشار الأسد”، بينما كان الثاني “دريد لحّام”. ويوالي صاحبُ “وطنيّة الصرامي” صاحبَ “الوطنيّة المركزيّة” ويخاف منه؛ فـ “لحّام” هذا يخاف “الأسد” الذي يُحبِّره على السوريين، ويبرمجه على المغالاة في الولاء له.

ففي لقائه المبرمج بمختطفي السويداء وذويهم، حدّث الأسد زوارَه المجبرين على الزيارة، عن الوطنيّة، وكيف أنها لا تكون بالدفاع عن القرية والعائلة والمحافظة، بل بالدفاع عن كل الوطن؛ أي سورية. واعتبر هؤلاء الزوارَ “رُسلًا للوطنيّة” لأنه ضامنٌ لولائهم، وأنهم سيحثون أبناء مناطقهم على الالتحاق بالجيش، الذي اعتبر الأسد الالتحاقَ به “قمةَ الوطنيّة”، وأن كل واحد تهرب من خدمة الجيش يكون قد تهرب من خدمة الوطن، قائلًا: “إن أول فعل من أفعال الوطنيّة هو الالتحاق بالجيش”. كما ردّ الأسد تهمةَ تقاعسه وتقاعس جيشه، إلى الممتنعين عن الالتحاق بالجيش، بل فعل أكثر من ذلك، إذ حمّل هؤلاء الممتنعين مسؤوليةَ كلّ نقطة دم من الضحايا، أثناء هجوم (داعش) على محافظة السويداء، في 25 تموز/ يوليو 2018، الذي راح ضحيته 302 ضحية.

نعم، لا تستغربوا، فالأسد يدعو إلى “وطنيّة مركزيّة”، بعد كل الذي مرّ بسورية من تشظٍ ومحاولات تقسيم ومناطق نفوذ وتجاوز لحدود السيادة والجغرافيا والتاريخ. فهو ما زال يعيش انفصاله المعهود عن الواقع، مصرًا على “الوطنية السورية المركزية”، ويحارب أي وطنيّة غير مركزيّة وتختلف عن/ مع “وطنيّة الصرامي”، كما يعادي أي وطنيّة يمكن أن تكون تشاركية وتقاسمية وتداولية وانتخابية، كما يمكن أن تكون هجينة غير منصهرة ومختلفة غير متجانسة.

وفي سياق متصل، قال دريد لحّام، في لقائه مع أمل عرفة، في برنامج اسمه (في أمل): “إذا الوطن حفيان أنا صرمايتو”! أو بالحرف الواحد: “لو وطني غلطان أنا معه، إذا بردان أنا تيابه، إذا ختيار أنا عكازته، إذا حفيان أنا صرمايتو، لأنه سيدي وتاج راسي”! ناهيك عن هجومه أيضًا على المهجرين قصدًا من سورية، حيث اعتبرهم باعوا الوطن بحفنة دولارات. فالوطن عنده هو “بشار الأسد” ولا يتعلق بالحرية والكرامة إطلاقًا.

وعمومًا، تسود في سوريّة “وطنيّة الصرامي” هذه، لدرجة أن الموالين وبعض المسؤولين دشنوا مرة تمثالًا للبوط العسكري، ومرة وضعوا البوط العسكري فوق رؤوسهم وأخذوا سيلفي. وحتى في الأيام التي كان فيها دريد لحام هو “غوار الطوشي”، كان “قبقاب غوار” هو سيد الموقف في “وطنيّة الصرامي” هذه! لدرجة أنه كان من الأولى أن يقول: “لو الوطن حفيان أنا قبقابو”!

إنّ المغالاة في الوطنيّة تكون نتيجة الخوف من الاستبداد والإرهاب، لا نتيجة الحب للوطن، كما يدعي “لحّام”، بل نتيجة الولاء المطلق لـ “سيّد الوطن”. وبما أنّ “الأسد” و”لحّام” هما “مشهوران” باسميهما ووجهيهما وأصواتهما، فهما قد خلدا نفسيهما خلودًا شخصيًا. ولكي يدوم خلودهما الشخصي هذا، لا بدّ من أن تدوم “الجماعة التخيليّة” السورية، التي من المفترض أن تحافظ لهما على مجدهما حتى بعد الممات والفناء.

ولذلك فهما يطلبان من عوام السوريين أن يضحوا بأنفسهم، وأن يجعلوا أنفسهم صرامي فدا “الوطن”، وفدا صرماية “القائد”، وبذلك يُخلِّد العوام أنفسهم خلودًا لا شخصيًا؛ فمن أجل أن يحصلوا على مجد غير شخصيٍّ عليهم تمجيد كيانٍ غير شخصيٍّ، وعندها سيكون خلودهم إما بموتهم أو بتضحيتهم بكرامتهم. فالعوام أناسٌ غير مشهورين ولا تُعرف وجوههم ولا أصواتهم ولا أسماؤهم، وربما هم بمثابة الجندي المجهول الذي يتم تكريمه بضريح أو صرح أو نصب تذكاري. فالمطلوب من عموم السوريين في “وطنيّة الصرامي المركزيّة” هذه، هو التحاقهم بالجيش وتحويل أنفسهم إلى صرماية للوطن؛ لينعم “الأسد” و”لحّام” من وراء هذه التضحية بالنفس والكرامة، بخلودهما الشخصي.

إنّ الفعلين؛ فعل النفخ بالتضحية بالنفس، وفعل الحث على تحويل النفس إلى صرماية، يتم رفعهما إلى مراتب إيجابية لإقناع العامة، كما يتم ترويجهما كإمكانية خلاص تباع للعامة، وكأنهما لحظة علوٍ وتسامٍ لجعل السوريين متصالحين مع فنائهم ومع هدر كرامتهم. إنهما فعلان للتدريب على الموت والتمرن على إهدار الكرامة الإنسانية.

إن مثل هذه الزعبرات “الأخلاقية” تسعى لتطبيع السوريين على مشهد الاحتضار الراهن، وعلى هدر الكرامة الفعلي، فهي تطالب بإسهام شخصي من السوريين لكي يخلدوا كيانًا لا شخصيًا، وهذا لا يكون إلا على حساب الهوية الفردية للسوريين؛ لأنه يتطلب استعدادًا لإنكار الذات من كل فرد منهم، وهذا -لعمري- طلبٌ منافٍ للطبيعة الإنسانية وللطبيعة الثقافية!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق