سلايدرقضايا المجتمع

يوم الطفل العالمي وبائعة الكبريت السورية

إنها الصدفة، والصدفة لحظة هائلة في تغيير سكون الواقع وجموده، في توافق الروحي مع الواقعي بمعطياته المتنوعة، كانت الصدفة أن طلبت الطفلة من والدها أن يقرأ لها قصةً قبل النوم، فأشار إليها أن اختاري أنت… وكم كان الذهول حاضرًا، عندما اختارت قصة (بائعة الكبريت)! فبائعة الكبريت هي تلك الطفلة التي اختارت من بين كل معطيات الواقع المقيت، من برد وجوع وألم ووحدة، أن تضيء داخلها بأن تشعل أعواد الكبريت فترى ما تريده من خلالها، وكأن النور يبعث على ارتقاء الروح ونسيان هذا الواقع بكل وطأته وحمله الثقيل.

عشوائية الصدفة قانون مجازي واحتمالي جدًا، لكنه حاضر عند التغيرات الكبرى، فأن يحتفل العالم بيوم الطفل العالمي، بحقوقه بضمان كل المحيط المجتمعي لرعايته والتأكيد على تنميته روحًا وعقلًا وجسدًا، وأن تختار الطفلة التي تعيش في خيمة نزوح، دون أن تعلم بيوم الطفل هذا، قصة بائعة الكبريت، وكأن الزمن، ولنقل القدرية، تقول هي طفلة تدرك أن لها حقًا ستأخذه حتى لو كانت الريح تصفر في حنايا خيمتها؛ قد كان لها يومًا بيتٌ، وحديقة وجيران، وأمٌّ تحبّها، لكنها اليوم باتت بلا كلّ هذا، ولم يعد لها سوى ذاكرة وحلم ليس سوى عود ثقاب! من هذه الشعلة القصيرة جدًا في هذا الظلام، كانت قصة أطفال سورية وقصة التغيرات الكبرى.

المحرك الأشهر في العالم (غوغل) اختار وضع شعار منفرد لمناسبة يوم الطفل العالمي، اختارها صورًا متتالية لأطفال، منهم من يغني، ومنهم من يرقص ويلعب، اختارها صورًا مبهجة كما هم الأطفال! ولم تتأخر (ويكيبيديا) عن ذلك أيضًا، حيث اختارت منذ العام 2009 شعارًا لها يرمز إلى الكرة الأرضية، بحروف لامعة تدلل على اللغة كوسيلة حوار وفيتامينات النمو، وأحاطته بصور للأطفال تطل على العالم وتحتويه؛ وكنا وكان أطفال سورية يبحثون عن موقع قدم لهم في خريطة العالم هذا؛ فعمران الحلبي ما يزال مذهولًا من صدمة ما رآه يوم غارت طائرة حربية اختارت لغة الصواريخ بدل الكلام في حوار الأطفال، وطفل يردد: “يا بابا احملني، فقد أكلت الشظايا قدمي، أتراها تنفعني الفيتامينات بعد!” ويجيبه ثالث: “أين عيوني؟ كيف سأقرأ يا أبي بعد”؟ ليبقى إيلان مرميًا حتى اليوم على شواطئ النزوح، بعد أن غرق به وأهله قاربُ نجاة من مجزرة كبرى اسمها سورية!

عالميًا، اختلفت تواريخ الاحتفاء بالطفل وحقوقه، وحدد اليوم الدولي لحماية الطفل بتاريخ 1 تموز/ يونيو 1950، بينما اتُّخذ يوم20  تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام، يومًا عالميًا، تحتفل دول العالم فيه بيوم الطفل العالمي Universal Children’s Day وذلك حسب توصية الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1954، حيث تقيم جميع البلدان يومًا عالميًا للطفل، يُحتفل به بوصفه يومًا للتآخي والتفاهم على النطاق العالمي بين الأطفال، وقد أعلنت الأمم المتحدة في هذا اليوم قانون حقوق الطفل، وتتلخص مبادئ الاتفاقية الأساسية بجملة حقوق هي: عدم التمييز؛ تضافر الجهود من أجل المصلحة الفضلى للطفل؛ والحق في الحياة، والحق في البقاء، والحق في النماء؛ وحق احترام رأي الطفل.

نصرّ على الاحتفال بالرغم من كل ما حدث، بالرغم من وجود ستة ملايين طفل نازحين ومهجرين بين الداخل والخارج، وأكثر من مليونين خارج مقاعد الدراسة! إضافة إلى مئات الآلاف الذين يتعرضون لخطر الألغام حتى بعد أن سكتت نيران الحرب في معظم الجهات! هذا حسب إحصاءات العالم لنا! حيث أظهرت مجلة (لانسيت) الطبية، في كانون الثاني/ يناير عام 2017، أن الأطفال يتحملون، على نحو متزايد، العبء الأكبر في القتال، ويشكلون نحو 23 في المئة من الضحايا المدنيين في عام 2016، مقارنة بنسبة 8.9 في المئة في عام 2011، وتتزايد النسب وتكبر دوائر الموت والكارثة بأرقامها، لتقول منظمة الصحة العالمية عام 2017 إن هناك مليون ونصف المليون مصاب بإعاقة نتيجة الحرب في سورية، ثلثهم من الأطفال. ولتؤكد منظمة (يونسيف) في العام نفسه وجود مليون طفل سورية يتيم.

متى تنتهي الحرب؟ سؤال متكرر للعام الثامن وجوابه معتم! معظم الجبهات توقفت فيها العمليات العسكرية، وبقيت آثارها مستمرة على الأطفال، ولو ابتعدنا قليلًا عن الأرقام العالمية، ودخلنا في واقع الطفل الذي يعيش في سورية اليوم.. ففي المدرسة تتزايد حالات العنف المفرط التي يعاقب بها الأطفال، فقد أظهرت كثير من الصور ومقاطع الفيديو نماذج كراهية في التعامل مع الأطفال، ويبدو أن مرد هذا إحدى موضوعتين: الأولى عودة الهيمنة التربوية والعقاب الجسدي للأطفال بطريقة منهجية، بعد أن أدرك القائمون على سلك التربية أن الجيل الذي عاش طوال ما قبل 2011 جيلٌ تمرد على السلطة لتخفيف هذه الوجبة العقائدية من التربية! بينما تذهب رؤية أخرى إلى الكثير من الحالات القهرية التي يعيشها المدرسون، بسبب ما عانوه الأعوام الماضية، وأهمها ضحالة راتبه وعدم قدرته على تلبية متطلبات أسرته! وفي كلتا الحالتين الطفل هو الضحية! وليس هذا فقط بل ثمة حالات تشرد كثيرة وتغير في مفاهيم الحياة والثقافة، فقد بات الانفلات والفردية المطلقة عنوانا الداخل السوري، في صورة تعكس مدى التشرذم الداخلي وسطوة الحلول القسرية العنفية التي تدعي انتصارها على الشعب، وبالضرورة تظهر هذه السلوكات عند الأطفال بشكليها المتسلط كتعبيرٍ عن زهوة المنتصر، أو بصورة المتقوقع بعيدًا عن كل هذا والبحث في نماذج حلوله الفردية، سواء كانت مزيدًا من العزلة وشعور بالغربة، أو التشرد الفردي بكافة أشكاله غير المنضبطة.

ربما تحتاج هذه المساحة السلوكية إلى الكثير من الدراسات النفسية المتخصصة، وتحديد طرق العلاج والتربية، وقد تجد الكثيرين من أصحاب النفوس النقية يساهمون في تخفيف هول هذا التناقض، بين صورة الطفل الطبيعية وحالة الشذوذ المتنامية والمترافقة مع العنف السلوكي واللفظي، لكنها بالنتيجة كلها تصطدم بموضوعة الحقوق والحياة وأشكال تواجدها في عالم اليوم السوري! عالم يتنكر لحق الوجود أولًا، ويصر على انتزاع براءة الأطفال بكل الطرق، فمن نجا من صوت القنابل لم ينجُ من صوت العسكر، ومن نجا من كليهما لم ينجُ من صوت أبيه أو مدرسه الغارق في قهرية العجز ومعاندة الواقع.

أنهى الأب قصة بائعة الكبريت لطفلته، وكادت تغفو، لولا أن قليلًا من ملح عينيه داعب خدها، لتسأله بدهشة: يبدو أنها تمطر يا أبي… دعنا نوقد عود ثقاب، كما فعلت صاحبة القصة. فيرد أبوها: أجل يا بنتي لا يبدد هذا الواقع المظلم سوى عود ثقاب وشيء من بصيص نور. أتعلمين ما النور يا بنتي؟ فتقول: هو عود الثقاب يا أبي. يلتفت الأب إلى الناحية الأخرى مخفيًا عينيه ويقول: صورة أحلامك عندما تغزو قلوب العالم بمنظماته وأصحاب قراراته بوحشيتها وإنكارها، عندما يدركون أنك طفلة تحب الحياة بنور الشمس، بحديقة بيت، بكتاب تعلم وتعليم، عندها يمكن لعود الثقاب هذا أن يمنع هذا المطر المنهمر منا… وتستمر الحكاية.

(*) الصورة للطفلة (سهى ونوس) من سورية، من مجموعة (النجدة الآن).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق