مقالات الرأي

الطغاة لن يعودوا والثورات ستتجدّد

“الطغاةُ عائدون”، “شتاءٌ عالمي قادم”، “الثورات المضادة انتصرت”.. عناوينُ تجدها (مطروشة) في هذا المقال أو ذاك، وفي هذه الصحيفة أو تلك. ولا شك في أن العناوين تشي بمضمون النص؛ فهي دائمًا تعكس جوهر فكرة النص. وهذا يعني أن هناك رؤية فكرية تتشكّل وتُنسجُ من خلالها المواقف، الرؤية تقول: الثورات فشلت، والأنظمة خرجت من أزماتها، وعلينا توديع الثورات، والركون إلى الطغاة، والصمت عن الجناة.

لا يمكن إنكار عدم نجاح الثورات، وعدم تشكيل أنظمة حكمٍ ودولٍ تنسجم مع العدالة والحرية، ولكن لا يمكن أيضًا أن نتجاهل أن الثورات أطاحت أنظمة وخلخلت أخرى، وأنها تساهم في تشكيل عالمنا العربي بعد 2011، وهناك تدخل أكبر للدول الكبرى، واحتلالات متعدّدة، وأيضًا هناك أفكار كثيرة تناقش أحولنا البائسة، وهي تناقش الطريق الأفضل لتطور بلداننا، فهناك التيارات الليبرالية والإسلام السياسي واليسار والوطنيون والقوميون، والدعوة إلى تمثيل كافة تشكيلات المجتمع سياسيًا وثقافيًا، وبغض النظر عن صحتها أو خطئها، فهي تدلّل على حركيةٍ جديدة تعبّر عن حاجات بلادنا للتغيّر، وللبحث عن سياساتٍ تنقلها إلى بلدان متقدمة.

ربما تعود الدكتاتوريات لمدةٍ محدودة، ولكن افتقارها إلى مشروعٍ مجتمعي، سيساهم في التمرد ضدها مجدّدًا، مهما كانت درجة قمعها وتوحشها. تنجح الدكتاتوريات حينما تتمكن من تقديم الحلول للمشكلات، وتفشل حينما تعجز عن ذلك. والسؤال ما هي مشاريع الدكتاتوريات الجديدة أو القديمة؟ وما هي مشاريع التجارب التي تحاول أن تكون ديمقراطية؟ ألم تفشل محاولات تونس في تخطي مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية، بل إن الديمقراطية لم تصبح بعدُ شكلًا سياسيًا نهائيًا للحكم، وكذلك المغرب والأردن، وأذكر هذه الدول لكونها ليست محكومة بأنظمة طائفية أو محتلة (العراق، لبنان)، ثم ألم تتجدّد الانتفاضات فيها، بشكل أكبر بعد 2011؟

الدكتاتورية لا تنجح من دون مشروع اقتصادي أولًا، وأنظمة العراق وسورية قبل 2000 كانت قوية؛ لأنها كانت تستند إلى قطاع عام يحمي نسبيًا حقوق الطبقات المفقرة ويدجنها، وكذلك مصر بعد 1956، وبتراجع الخدمات، تبدأ التمردات ولا تنتهي أبدًا، وفي هذا تستطيع الأنظمة أن تستخدم كل أدوات القهر والقمع والقتل، ولكنها في شروط متأزمة تسقط بفعل الثورات، كما حدث في 2011. السيسي والسبسي والآخرون ماذا يمتلكون من مشاريع، حتى نستمزح الكلام عن ربيعٍ جديد للأنظمة وشتاءٍ قارٍ للشعوب؟!

نعم، هناك هزائم كبرى مُنيَت بها الثورات، ولا سيما في سورية وليبيا واليمن، وهناك تهجير واسع للسكان ودمار للمدن، وقد قُتلَ الملايين، ولكن التاريخ لن يعود للخلف، وهي مرحلة أولى ضمن سيرورة ثورية. إن ما تفعله الأنظمة هو تأجيل تجدّد الثورات، وبالتالي فإن دكتاتوريها، وحروبها الأهلية، وتسييس الهويات ما قبل الوطنية والقومية، لن تُنهي الثورات، ولن يتحرك التاريخ كما كان قبل 2011. بوضوحٍ أكبر: ليس من مشاريع اقتصادية ولا مشاريع إعادة إعمار دولية (لاحظ العراق وأفغانستان)، وبغياب ذلك، فليس هناك إلا تجدّد الثورات.

ما هو جدير بالاهتمام، التدقيقُ في أسباب فشل الثورات، والأشكال التي تتموضع عليها الأنظمة، وشكل التدخل الإقليمي والدولي، وكيفية تشكّل العالم العربي بعد ثوراته؛ هذه القضايا المفتاحية، تدفع إلى البحث عميقًا في مشاريع الثورية والوطنية والسياسية المخفقة! أقصد أن الدكتاتوريات لن تنجح في ثوراتها المضادة، وما يزال الشتاء شتاءَها هي، وأزماتها أكبر من أن تتجاوزها، وبالتالي وكي لا نستمر في حالة انتقالية مستمرة ولصالح تدمير التراكم، أي المراوحة بين أزمة مستمرة للأنظمة وأزمة مستمرة للبديل الثوري، يفترض بالفاعلين بكل أشكال الثقافة تناول القضايا المشار إليها أعلاه، وقضايا أخرى يرونها مفاتيح أساسية، لفهم واقعنا بكل أزماته.

برنامج الدكتاتوريات والديمقراطيات المنخفضة يستند بشكلٍ كامل إلى البيوتات المالية العالمية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي… إلخ)، وتقترض المليارات وتوظفها في مشاريع هامشية، ولهذا يتضخم الدين، ويتم تطبيق شروط البيوتات بالتقشف وفتح الأسواق، وبالتالي ليس هناك من برامج اقتصادية للنهوض، وليس هناك عوائد حقيقية للاقتصاد الوطني وللشعب، وهذا يعني توسيع عدد المفقرين والمهمشين، وضمن ذلك، تتعمّق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية؛ إذًا، المشكلة في السياسات الاقتصادية الليبرالية، ولا تزال هي ذاتها المُتبعة قبل 2011.

الثورات ستتجدّد لا محالة، وبالتالي ما البديل الثوري الذي يُنقذها مما ذهبت إليه من قبل؟ واجهت الثورات معضلة المعارضات التي انخرطت فيها، وتحديدًا الإسلام السياسي والليبراليون، والمشكلة تكمن هنا بالتحديد، فهذه التيارات تلعب على مخيلة الشعب “الدينية، أو الحريات المطلقة” وبغياب حياة ديمقراطية، تسمح للشعب بطرح قضاياه وحاجاته الأولية والمطابقة للنقص في الاقتصاد والتعليم والصحة والسياسية والصحافة والثقافة وسوى ذلك، فإن تلك المعارضة (تسرق) الثورات، من أجل أن تكون هي السلطة البديلة، وحينئذ ستُنفذ البرنامج الاقتصادي ذاته للأنظمة الحالية، وربما تتشدّد دينيًا، وبالتالي هناك إشكالية كبرى في هذه القضية، فكيف ستُواجِه الثورات برامج المعارضات أعلاه، وتُنتج مشروعها الثوري الوطني، في كافة مجالات الحياة؟ هنا لا يمكن الركون إلى دورٍ ماركسي أو يساريٍّ للقيام بهذا المهمة، فلدى هذا التيارات مشكلات أخرى، ومعقدة، وهناك تاريخ اشتراكي سلبي يقف سدًا أمام تقبله، وهناك أكاذيب كبرى عنه، تتعلق بالإلحاد والتغريب والانفصال عن الواقع، والأسوأ رفض الشعب للبرامج المتعددة للنهوض وللثورة، حيث يميل العقل نحو الشعارات المُبسطة “إسقاط النظام” أو “الحرية والكرامة”؛ إذا لا إمكانية لنجاح الثورات التي ستتجدّد دون تغيير برامجها، واعتماد برامج متكاملة لكل مشكلات المجتمع المتأزم.

الأزمات ستُنتج الثورات لا محالة، والأولى لن تنتهي أبدًا، بل ستتعمق عبر الدكتاتوريات والديمقراطية المنخفضة والحروب الأهلية والتدخل الإقليمي والدولي. أمام هذا التعقيد، على الرغم من المشكلات التي سيُنتجها، فإن خيارات المجتمعات العربية ستكون إمّا الاستمرار في الدمار، وإمّا الثورات المستندة إلى برامج بديلة تغطي كل مجالات الحياة، فهل نتوقف عن أحاديث الشتاء!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق