سلايدرقضايا المجتمع

عقل “الطوشة” وحذاء الوطن

أطلّ “غوار الطوشة” (دريد لحام) قبل أيام، عبر برنامج (في أمل)، وكرر إحدى مزاوداته المعهودة والمعروفة، باتهام السوريين الذين تركوا وطنهم، بأنهم تركوه “من أجل حفنة من الدولارات” والثائرين كذلك، زاعمًا أن بقاءه داخل سورية هو تصالح مع نفسه.

هنا تتسع من جديد رقعة السذاجة و”الاستهبال”، وخذلان مراهنة التعويل على تلك الكائنات التي غَرف منها عقل “الطوشة” الذي رأى في موت مئات الآلاف من السوريين ألقًا لقدسية قاتلٍ، تهبط عند أقدام “صرماية” الوطن (وفق تعبيره) التي يتمنى أن يكونها “الطوشة”، لكنه يقصد بالوطن مَن جعلَ الوطن “صرماية” في حذائه، وأطلق جنده يسحقون أجساد البشر.

تلك حزمة شعارات عريضة، تحترق في طوشة الحروف المنهالة على سكان المدن، عقلية التخوين والاصطفاف وتضخم الأنا، لا تعود لدريد لحام فقط، ولا للفنانة مُحاورته، التي تطلق عند كل فاصلة يخرجها “الطوشة” آهات إعجاب تمثلت بـ “أنت قاسيون… أنت الشام… أنت سورية”، ففي سيل التغوير والتجويف السياسي والثقافي والفني والأدبي متّسَعٌ للسقوط الأزلي للألقاب الوهمية الزاحفة على بطونها وعقولها، لتقص علينا درسًا “مقدسًا” يستدعي كل النقائض الغائبة الموجودة بقوة الكارثة التي غدرت بنا كائناتها الصغيرة بروايتها وقصصها وفنها التهريجي، أفلامها مع تحليلاتها السياسية تشهد على المأساة، وتردنا إلى مسار منكشف بالدفاع عن راجم البراميل.

يحدد عقل “الطوشة” نتائج منطقية لمرحلة انهيار كائنات ينتمي إليها أو تنتمي إليه، بممارستها المغيرة لشكل النظرة إليها، وهي تشكل لوحة كثيفة من الطبائع والأفكار والشروط المنهدمة فوق صدور الضحايا، تقديم مخزٍ وتسطيح أجوف لكل ما مر به السوريون خلال ثمانية أعوام: “إذا كانت أمي مريضة نتركها، ونبحث عن أم أخرى”، تقول عقلية “الطوشة”، دون أن تسأل عن أمهات حقيقيات اغتُصبن وقُتلن في أقبية التعذيب، عند نظام يعتقد أن تحوّله إلى حذاء في قدمه يُطهره من تبعات تقديس القاتل.

الفهلوي الانتهازي “غوار”، والحاقد النصاب “الدغري”، متعدد الأوجه، المنافق الوطنجي، خاوي الروح، متعبٌ وبائسٌ من تلاشي القداسة بتقديم دمعتين على وطن يراه من “صرماية” راجم البراميل، لذلك نجده، في كل المنصات المرتفعة عن جزمة السلطان وجثث قتلاه، لا تخطئ بصيرته الطائشة على فوهات البنادق وبراميل الموت في أن يعبّر عن عويل مختلف أمام المتفرجين، وعن كينونة أخرى، لم ترد في رواية تفصح عن ولادة أمة أو بيت شعر يعبّر عن وفاء لمسيرة من ضحى من أجل حريته، أو مشهد مسرحي ولوحة فنية تضيء درب المظلومين.

ما قدّمه لحام، المنضوي تحت عباءة السلطة القاتلة، يختلط فيه أسى بغضب وحزن بإحباط، تتردد فيهما فكرة أساسية نبتت في الثورة السورية، وتجذرت بنبذ كل انتماء يتحلق حول الجزار، وتتحرر من متكآتها القديمة، فإذا كنا نرثي أحلامًا مكسورة، فإننا نرثي معها كائنات عاشت معنا ذروة الأحلام وخذلتنا في واقع الثورات.

في لحظات تعري العقل، رؤى مغايرة لعقل الطوشة الذي غادر موقعه ومكانه، من خلف الكواليس وخلف الشاشة، ومن على المسرح ومن وراء الكتاب والرواية، إلى مساندة الآلة القاتلة التي أنتجت نوعًا واحدًا من ثمار القداسة للقاتل، وهي تبدل قشورها التبجيلية والتبريرية ممثلة الجزء المخزي من مجتمع الفن والثقافة والسياسة والأدب.

يكتشف دريد لحام (الطوشة) ما اكتشفه بعض “عباقرة” حركة التحرر الوطني: الفكر ليس أكثر من حفلة تهريج في تدلي ساقي وخصيتي سلطاننا وولي نعمة فسادنا وقائدنا المبجل.

بسبب وجود هذه الكائنات التي تمثلها طوشة الممثلجي وغيره، فإن المعركة باقية وقائمة، شئنا أم أبينا، بين الأخلاق ونقيضها في أي موقع، أو أي جزء من المجتمع، مهما كانت الذرائع واللافتات التي تُرفع كسواتر تخفي الجريمة، أو تثني على عيني القاتل أو سكّينه، وتختزله عقلية الطوشة بالوطن الذي يحب أن يكون “صرمايته” في لحظة الحفا، وهو ما يستدعي -بشدة وحسم- مواجهة هذا التجريد الإنساني والقيمي والأخلاقي الذي تعمل آلة الطوشة على تكويمه فوق أنقاض البيوت والمدن والقرى التي يدمرها قديسو “غوار” من الأقدام التي يراها وطنًا، ويبحث عنها كي يكون “صرماية” لها، لتكمل ما دمرته. والوطن حكاية أخرى وضعت له عقلية “الطوشة” مستوًى منحطًا من التهريج التنفيسي، أُريد منه أن يصير حلقات مزايدة على دماء وحطام السوريين في سؤال أبله: “ليش تركتو الوطن وفليتو؟”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق