أدب وفنون

بيروت مدينة العالم

تنبئنا كتب الأدب بالتاريخ الأكثر دقّةً وصدقًا وموضوعية، تكشف لنا تاريخ المدن كسيرة إنسانٍ جليل، يتدرّج من طفولته إلى نضجه وأثمار حياته، إلى أن يموت جسده بينما لا يداني الموت روحه؛ إذ تحيا هذه الروح وتستمر في إرثه الفكري والعملي والبيولوجي عبر السلالات البشرية اللاحقة.

(بيروت مدينة العالم) رواية ربيع جابر، الأديب اللبناني الغزير والممتلئ والممتع أبدًا.. الصادرة عن المركز الثقافي العربي ودار الآداب، تُعين قارئها على فهم الحاضر المولود من زمنٍ مضى، ومن تبعات حروبه. وتُدرّب قارئها على الصبر اللذيذ، ليطوي حوالي 1250 صفحة موزّعة على 3 أجزاء، تبدو طويلة حقًا، إلا أنها تكشف ضآلة العالم، لو خلا من كتابٍ جيد، يكافئ الصبر بالمتعة والمعلومة القيّمة والطريفة.

كانت بيروت في أوائل القرن التاسع عشر بلدةً صغيرةً لا يتجاوز عدد سكانها ستة آلاف نسمة، محاطةً ومحميّةً بسور لا يتجاوز طوله نصف كيلومتر وعرضه 125 مترًا، وله خمسة أبوابٍ، تُقفل بعد صلاة العشاء وتفتح عند صلاة الفجر، ولا يبقى منها مفتوحًا ومحروسًا طوال الليل إلا بابٌ واحد اسمه: السنطية.

لم تكبر بيروت بأبنائها وحدهم، نما عمرانها وعدد سكانها بالوافدين إليها، حين رأوا فيها محطةً آمنةً لنزوحهم. زحفتْ إليها الهجرات من جنوب لبنان ومن جباله عقب الحرب الأهلية عام 1840، وعام 1860، ومن دمشق وحلب، عقب مذابح المسيحيين فيها وبعد حملة إبراهيم باشا على بلاد الشام، والإنزال البحري الإنكليزي الفرنسي النمساوي الذي طرد إبراهيم باشا عن ساحلها إلى غير عودة..

بعد كل موجة نزوحٍ، كان أهل بيروت يفزعون لإيواء وإطعام النازحين، ويتذمر آخرون من “العجقة” التي أحدثها هؤلاء النازحون في البلد: “البلد ملآن حكايات. كل مهجّر عنده قصّة، وفوق المهجرين جاءت العساكر بالبحر”. ولم يعد هؤلاء الناجون من الحروب إلى ديارهم الأم، بعد أن خمدت فيها الحروب؛ منهم من اشترى بيتًا وأقام تجارة أو مصلحة، وبدأ يجني ثمرها، فلماذا قد يغامر بالعودة إلى البلد وإلى الصفر، وهو بالكاد خارجٌ من النكبة الماضية على الحديدة؟ لن يعود، سيبقى ويتزوج وينجب الأبناء الذين سيصيرون (بيارتة) هم وذريتهم اللاحقة، وسيشتغلون بالبناء وتربية القز والتجارة والدباغة والصناعات الخفيفة.

في السلم وفي الحرب، ظلّ المسلمون والمسيحيون في بيروت على وئامٍ ومصاهراتٍ فيما بينهم، حتى بعد أن اجتاحت بيروتَ قوافلُ المسيحيين الهاربين من حروب الطوائف في ديارهم، ولم يجبروا المرأة المسيحية على أن تنطق بالشهادتين قبل عقد قرانها على مسلم.

الحرب انتهت لكن الخوف لم يفارق النفوس، وربما لن يغادرها؛ إذ كيف يمكن تصور ذلك المكان الذي غادروه يسبح بالدم ويختنق بدخان البارود، كيف يمكن تصوره مكانًا قابلًا لأن يعاش فيه مرة أخرى. “فالخوف يقع بيسر، الأمان: لا”!

كان الطريق البري بين بيروت والشام يستغرق حوالي أربعة أيام لتقطعه الحمير والبغال المحملة، في طريق ذهابها وعودتها، بالبضائع والبشر، صار يستغرق 10- 12 ساعة، باختراع عرباتٍ تقودها الجياد، تلك كانت ثورة اختصار الوقت، بعد شق طريق الشام بيروت عام 1858، لحقت بها ثورة مد خطوط التلغراف بين بيروت وإسطنبول عن طريق حلب- ديار بكر- أنقرة.

حين يقرأ أي سوريّ الآن تاريخ بيروت في رواية؛ سيريحه أن يتوقف قليلًا، بعينٍ لم يبقَ أمامها لمجابهة دمار بلادها الشامل، إلا بالالتفاف عليه بالنكتة أو المعلومة الطريفة.

سيسرّه أن الغزاة على بيروت لم يحملوا معهم خساراتٍ خالصة، فحملة إبراهيم باشا مثلًا، حملت معها قبّان الميزان كنقلةٍ كبيرة في عالم التجارة، وجلبت معها البطاطا، والفول، كما أن اللبنانيين طوّروا أكلة الفول المصرية بإضافة الليمون الحامض (أبو صفير) إليها، مذاقها أطيب من الخل الذي اعتمده المصريون. كذلك جلبتْ حملة إبراهيم باشا معها (العوالم) المصريات والسودانيات، وهؤلاء العوالم لم يغادرن بعد رحيل إبراهيم باشا، منكسرًا أمام مدافع الفرنسيس والإنكليز والنمساويين؛ بل أسسن لمهنتهن في بيروت.

والفرنسيون أدخلوا ورق “الكودشينة”، وعن طريقهم –أيضًا- دخلت البندورة التي كان موطنها الأصلي -من قبل- في أميركا، أما المرسَلون الأميركان فقد أحضروا الفليفلة الحرة “الصنوبرية”، وافتتحوا في بيروت المدارس، واشتروا أراض وعرةً على رأس بيروت، ليس فيها سوى الصبير ليبنوا فوقها إرسالياتهم، وزرعوا أرضها بالسرو، واشتروا زجاج الشبابيك ومسكات الأبواب من سوق القزاز، قبل أن يشيدوا أبنيتهم. هؤلاء الأميركان “الخيتان” كما وصفهم تجار بيروت، غرسوا فوقها –أيضًا- شجرًا لا ينبت إلا في بلادهم.

وكان في لبنان مواطنون يهودٌ كثر، وعلى الرغم من انتمائهم إلى لبنان وحده، فإنّ معظمهم هاجر لاحقًا لأسبابٍ مختلفة، وبقي الذين لم يهاجروا منهم على وطنيتهم اللبنانية، حتى بعد الاجتياح الإسرائيلي 1982.

ومن أهل حلب مَن نزح بزنارٍ مبطّنٍ بليرات ذهبٍ مصفوفة، ففكّها في بيروت، وأقام فيها صناعة متقدّمةً في زمنها، و”الشوام”، أول من زرع في بيروت غراس المشمش، أما قوات الردع العربية فقد أدخلت إليها اختراع “الكوزمو”، الشظ مظ من البندورة “الهرارة” يسلبها جنود الحواجز السورية على شكل (خوّة) من السيارات القادمة من جبل لبنان، والبيض الآتي من بقاعه، وأفضلوا على اللبنانيين بإفشاء أسرار المقادير الدقيقة كي يتعلّموا طعم الكوزمو الحقيقي لا الفالصو!

رواية الأديب اللبناني ربيع جابر، تكرج تحت العين برقّة الماء ولين العجين، يجول فيها رواحًا وعودة بين مطلع القرنين: التاسع عشر والحادي والعشرين، عبر سيرة عبد الجواد أحمد البارودي، الشامي ذي الذراع الواحدة، الهارب إلى بيروت، بعد أن غرز سكين الموز في بطن أخيه في لحظة غضب، وظن أنه قتله. صارت بيروت وطنه، بنى فيها حارة البارودي، وترك خلفه ذرية تستمر لأجيال، لعلّها تملأ عليه حياته المسكونة بالوحشة والعزم، وكانت بيروت من هزمت العزم والوحشة..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق