سلايدرقضايا المجتمع

جرائم الاغتصاب في سورية.. الإفلات من العقاب هو القاعدة

اعتمد نظام الأسد القمعَ منذ بداية الثورة، وشرّع جرائم كثيرة، وكرّس سياسة الإفلات من العقاب؛ بغية سحق المعارضة وإرهاب المدنيين جميعًا، وما تشهده المدن السورية مؤخّرًا من انفلات أمني كبير، ولا سيّما مدينة حلب، دليلٌ على ذلك، حيث شهدت المدينة، خلال الشهرين الماضيين، أكثر من 20 حالة اختطاف واعتداء على أطفال.

وعلى الرغم من معرفة الأهالي أنّ عناصر النظام وميليشياته هم من يقف وراء هذه الحوادث، فإن معظم الحالات قُيّدت ضد مجهول؛ ذلك أن النظام هو الذي موّل هذه الميليشيات بنفسه، وسلّطها على رقاب السوريين، ومنحها حصانة تضمن إفلاتها من العقاب، طالما أنها تقوم بالدور المطلوب منها.

شكّلت الجرائم الأخيرة لهذه الميليشيات حالة رعب جماعية، لدى كثير من العائلات، التي باتت تخشى على أطفالها الخروج إلى الشارع، بل إنّ بعض العائلات باتت تفكّر جديًّا في مغادرة المدينة، لأنها لم تعد آمنة بنظرهم.

حالة الرعب التي طغت على المجتمع الحلبي دفعت النظام -كما يرى البعض- إلى البحث عن (كبش فداء) تمتص “محاسبته” حالة الذعر التي شاعت بين الأهالي، حيث خرج علينا إعلاميو النظام بمقطع فيديو يظهر من خلاله القبض على (قاتل ومغتصب الأطفال) أحمد مزنزة، مع التركيز على المنطقة التي ينتمي إليها، والتي يجاهد النظام في كل مناسبة على التأكيد أنها منبع الإرهاب وموئله.

حول تناول المواقع الإعلامية التابعة للنظام هذا الخبر، قال رزق العبي، وهو صحفي يقيم في مرسين، لـ (جيرون): “ما يلفت النظر في تناول المواقع الموالية للحادثة، التركيز على حالة الارتياح المزعومة التي أعقبت القبض على المجرم، حيث حرصت المواقع على الإشارة إلى المنطقة التي ينحدر المجرم منها؛ لتصرف الأنظار عن الميليشيات الموالية للنظام، التي باتت تحرجه وتظهره بمظهر العاجز، ولم تنسَ تلك المواقع أن تشيد بجهود الجهات المختصة، ومن ضمنها زيارة وزير داخلية النظام للطفل الذي نجا من المجرم، حيث أكّد لوالد الطفل أن المجرم سينال عقوبته”.

إلا أن بعض المتابعين كانت لهم آراء مختلفة، تنفي ذلك الارتياح المزعوم الذي حرص النظام على الترويج له، ويقول أحد المعلّقين تحت اسم مستعار: “أي ارتياح؟! عشرات الجرائم وقعت خلال الفترة الماضية، ولم يتم القبض إلا على هذا المجرم، الذي أُلصق بالطرف الآخر وتمّ التبرؤ منه. راجعوا ملف الأحداث وستجدون عشرات القضايا، بين قتل وخطف وسلب وتشليح، مع صفة أمنية وعسكرية لمرتكبيها”.

بينما ينسب معلّق آخر جرائم كهذه إلى فساد القضاء داخل المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، حيث استشرى بشكل كبير وشجّع على انتشار الجريمة: “بعد أسبوع سيخرج من السجن، كحال غيره، لقد حفظنا قصة العدالة بسوريا عن ظهر قلب”.

لآراء كهذه مبرراتها، فقد أفلت مجرمون كثر من العقاب في حوادث سابقة مشابهة، ففي وقت سابق ارتُكبت جريمة بحق الفتاة (ت. س) البالغة من العمر 15 عامًا من سكان حي بستان القصر، حيث اختُطفت وطلبت الجهة الخاطفة فدية مقدارها 10 ملايين ليرة للحفاظ على حياتها، وبعد مفاوضات استمرت أيامًا عديدة، قام والد الفتاة بدفع مبلغ مليوني ليرة؛ ليستلم ابنته مرمية ليلًا بالقرب من دوار الحلوانية، وليكتشف بعد أخذها إلى طبيب تعرّضها لاعتداء جنسي عنيف ومتكرر. وأكدت بعض المصادر أن العائلة تلقّت تهديدات من قِبل الجهات الخاطفة التي تتبع لما يسمى (قوات مقاتلي العشائر)؛ الأمر الذي دفع العائلة بعد أيام إلى السفر خارج سورية.

في شهر آب/ أغسطس الماضي، ضجّت الصفحات الموالية للنظام بقصة شاب اغتصب 14 طفلًا في قريته، وعلى الرغم من فعلته الشنيعة تلك، أطلق القاضي سراحه بعد 14 يومًا من حبسه، وقد صرّح والد أحد الأطفال، في تسجيل مصور، بأن القاضي أطلق سراح المتهم بعد تلقّيه رشوة مقدارها 4 ملايين ليرة، وأتبع ذلك بتعليق: “كنّا مفكرين القضاء والقانون رح يحمينا! بس للأسف”.

أمّا بالنسبة إلى القانون وموقفه من جرائم كهذه، فقال المحامي السوري حيدر هوري المقيم في تركيا، لـ (جيرون): “تنصّ المادة (489) من قانون العقوبات السوري على أن (من أكره غير زوجه على الجماع، عُوقب بالأشغال الشّاقة خمس عشرة سنة على الأقل، ولا تنقص العقوبة عن إحدى وعشرين سنة، إذا كان المعتدى عليه قاصرًا)، مع أن الاغتصاب قد يقع من دون عنف أو تهديد في كثير من الأحيان على الأطفال، عبر الاحتيال على الطفل، كونه غير مدرك لعواقب هذا الفعل، من الناحية القانونية والاجتماعية والنفسية”.

وتابع: “في ظلّ تحكم المؤسسة الأمنية في مؤسسات الدولة، ومنها السلطة القضائية التي لا تتمتع إلا في نطاق ضيّق بالحيادية والاستقلالية، إضافة إلى الانحلال الأخلاقي والاجتماعي، وانتشار الرشوة والمحسوبيات، وخوف القضاة من عناصر ورجالات القوى الأمنية، وخضوعهم لأوامرهم وتهديداتهم؛ أصبحت ظاهرة الإفلات من العقوبة والمحاسبة أمرًا طبيعيًّا واعتياديًا، إذ إننا بتنا أمام حالة غياب لمفهوم الدولة، وانتشار سلطة العصابة”.

على الرغم من كلّ محاولات النظام الرامية إلى الظهور بمظهر المنقذ والحامي، فإن الجميع بات يدرك، في قرارة نفسه على الأقل، أن اضطراب السلطة ممثّلة برأس الدولة والمؤسسات العسكرية يجبرها على التغاضي عن ممارسات عناصرها، وعن تطبيق القانون والعقوبات الرادعة في حق مرتكبي هذه الجرائم، إضافة إلى أن النظام يعمد إلى الاستثمار في حوادث كهذه، ليوصل رسالة مفادها: “كل الجرائم والانتهاكات مباحة لعناصره، في سبيل توطيد سلطته وإعادة الشعب السوري إلى بيت الطاعة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق