مقالات الرأي

حرّاس المعبد بين العَبَث والبَعْث

نودي، مرارًا وتكرارًا، للابتعاد عن الفسبكات بأنواعها ومفاعيلها وردودها وإرهاصاتها، وتمت الدعوة إلى الغوص بجدية أكثر، في ما يرتبط بالفكر وبالتحليل الهادئ الذي يحافظ على مسافة واعية من الحدث ليُلمّ بأبعاده كافة، بعيدًا من التأثيرات الآنية والحادة والملتهبة لوسائل التواصل الاجتماعي. وقد وُصفت مختلف هذه الوسائل، على حسناتها القليلة، بأنها قاتلة للفكر وللحوار، إلا ما ندر.

على الرغم من هذا الموقف وتلك المسافة التي تم السعي، بجهد لا ينقطع، لوضعها بين المعاشر العقلاني من جهة، وبين الجدل السفسطائي القائم في هذه الوسائل حول جنس الملائكة، من جهة أخرى، فإن الاعتراف واجب بأن الإنسان يُستَفَزُّ من حيث لا يدري ولا يريد. والاستفزاز يُعتبر من طبيعة الحياة والقبول بقواعدها اليومية، مهما سَخُفَت. ومَن أجدر من وسائل التواصل، في أيامنا القاحلة بالفكر هذه، بتأجيج الاستفزازات التي يتعرض لها الإنسان في يومه، مهما كان واعيًا وبارد الطوية وباحثًا عن الهدوء العقلاني والتحليل المبتعد عن ردة الفعل؟

لجأ كثير ممن يبحثون عن هدوء البال النسبي إلى الانسحاب من مختلف هذه الوسائل، أو انتقاء ما يمكن ان يعطيهم طاقة إيجابية، وهو نادر. واختار البعض الآخر أن يُحدّد وقتًا ضئيلًا في النهار أو في الليل لمتابعة “مجلات الحائط” الافتراضية هذه، وما تحتويه من الغثّ غالبًا والسمين أحيانًا، والوقوع بنسب متفاوتة في فخاخ مختارة، منها الهزلي ومنها البائس ومنها الشتّام ومنها الناعي ومنها الهادي ومنها الناهي ومنها الناصح ومنها الموجّه ومنها غير ذلك..

صارت هذه الوسائل مرآة لحيواتنا، ومقياسًا معتمَدًا لمدى جرعة الوطنية أو الإيمان أو اللبرلة أو الديمقراطية أو الالتزام، وصار التقييم اليومي سيفًا مسلّطًا على المارين في يوم عابر بهذا المكان الذي له أهلوه الخبراء والمتمكنون من وسائطه ومن دهاليزه ومن تسخير الوقت له ولمماحكاته التي تبدأ ولا تنتهي.

يكاد التوقف عن معاقرته أصعب من توقف مدخن صنديد عن تبغه، أو كحولي رعديد عن كأسه. وإن نجح أحدهم في ذلك؛ فسيصبح مزارًا شبه مقدس لأصحابه ومعارفه السائلين “كيف ومتى وكيفما”. كما سيُصبح الشخص الناجح في إطالة مدة المقاطعة أو الانقطاع، وكأنه في مكانة القديسين والمرضي عنهم لا الضالين.

أما السذّج الذين خُيّل إليهم يومًا بأن يعتبروا هذه الوسائل مساحة تريّض وإعلام واستعلام، أو حتى مجرد الاطمئنان إلى أحوال الناس، دون السعي لبناء شبكة مريدين، يصبح هو -أو هي- لهم كالمرشد العام الروحي والسياسي والأخلاقي، والجنسي أيضًا، فهم في همّهم منهمكون ولا بواكي على حالهم ووجعهم إلا ما ندر. هؤلاء سيتعرّضون إذًا، ما داموا ثابروا دون كلل على ارتياد هذا المكان، لما تُتيحه السماء والأرض وما بينهما، من شتائم ودروس ومواعظ وتوجيهات وتصحيحات وتنبيهات. كما سيُحاكمون على نيّاتهم وعلى ما خفي منها، وهو الأعظم والأشد مرارة. وسيُستنتج مما اقترفوه كتابةً أو مشاركةً الإثم العظيم الذي ارتكبوه مع إسقاطات، لا ناقة لهم فيها ولا عجلة.

و “يا ويل وسواد ليل” من يجرؤ منهم، وبلاده تتعرض لما تتعرض له من قتل وتدمير وتجويع وتشريد، على أن يتذكر مقطوعة موسيقية، أو أن يبتسم ذات صباح أو يتفلسف ذات ليل بغير ما ورد في صِحاح الوطنية والالتزام. هذا سيُصلب على أعوادٍ من النقد “البنّاء” دائمًا وأبدًا، الذي غالبًا ما يتصاعد توترًا حتى الوصول إلى التجريح، وإن لم يجر هذا الجدال على صفحته ذاتها، نتيجة تعبٍ منه أو إهمال. وعلى الرغم من سعيه أحيانًا لمجاراة الحوار والبحث عن الأجوبة الهادئة، فإنه سيُستغاب في مكان آخر وفي صفحات أخرى، وستنهال إبهامات الإعجاب على ما يتعرض سلبًا له، ممن يتعيشون على التطفّل والشماتة، وهم يعتقدون بأنهم قد حازوا الانتصار المهيب، وبأن أجر كفاف يومهم قد تأمن.

تقول آخر الأبحاث الجادة إن وسائل التواصل زادت شدة الشعبوية في الوعي الجمعي؛ ما أدى إلى فتح الأبواب واسعة أمام كل أشكال التطرف، من القومي إلى الديني. كما أنها ساهمت في اضمحلال الثقافة وانحدار نسبة القراءة بشكل عام، وخصوصًا لدى الشباب من الفتيات والفتيان. وبعيدًا عن شيطنة هذا الشيطان الذي أدمنُ عليه، كما الملايين من سواي، فالاعتقاد يجب أن يتطور إلى القول بأنه صار له من الزمن ومن التجربة ما يساعد مرتاديه في الالتفات إلى أمور تحمل نسبة أقل من الطاقة السلبية المبعثرة يمينًا ويسارًا، أو من الحدية التي غالبًا ما يعتبر متبنيها بأنه قمة الهدوء والروية.

سئمنا من رقابة سلطة البعث وسوطها المسلّط على الشاردة والواردة، فوجدنا أنفسنا أمام رقابة من نوع آخر، تحاسب وتوزع المرحى والامتياز، كما تُرسل إلى الجنة أو النار. حقٌ لجميعنا أن يلتفت إلى ما هو أعمق في حياته العادية، وأن يعتبر هذه الفضاءات مساحة حرية، بعيدًا عن التجريح والشتم والتخوين والتكفير. حلم إبليسَ في الجنة، ولكن ما أضيق العيش لولا فسحة الحلم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close