تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

في 16 تشرين: ثلاث كذبات في تاريخنا المعاصر

لم يعد يخفى على أحدٍ كثرة الويلات التي أتت بها السلطات العسكرية على المنطقة ودولها الناشئة، بدءًا من موجة حركات التحرر الشعبي أواسط القرن الماضي من حكومات الانتداب الأوروبي التي ورثت حكم الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى موجة حكم العسكر بانقلاباتهم المتعددة التي أرست -بالنتيجة- حكوماتِ الهيمنة المطلقة والأحكام والسيطرة وتأليه الفرد الحاكم.

حكومة البعث العسكرية لم تكن استثناءً في المنطقة، بل كانت جزءًا من منظومة عامة اجتاحت حماها معظم دول المنطقة، ولم تكن فريدة سياسيًا في نزواتها في شهوة الحكم فقط، بل أتاحت الفرصة لنمو وتكاثر النماذج الشمولية في الحكم وظلاله أيضًا. وإن كنتُ لست بوارد الحديث عمّا سمي “الحركة التصحيحية” في تفصيلاتها، فقد بات الطفل يعرف ماهيتها، وما أنتجته من كوارث على مستويات السياسة والاقتصاد والتفسخ الوطني، لكن من الضرورة بمكان إلقاء الضوء على التكاثر المفرط، في سياسة تعميق الجذور التسلطية لبنى الاستبداد في واقع البلد التي بات حصادها اليوم جملةً من الكوارث لا عدّ لها ولا حصر.

فمنذ تعلقت الروح الوطنية بنموذجها العاطفي (من دون التعليل العقلي والتفسير المنهجي) بنموذج العسكر المحرر للبلد من الاستعمار، طفت على سطح المعادلة الوطنية جملةٌ من الأوساط السياسية تتلاعب بهذه المشاعر، وتعمل على تجيشيها في معادلة السلطة ونفي التحرر والكرامة الوطنية معًا!

بدأت عمليات استئصال المعادلة الوطنية، بوصفها نموذجًا عاطفيًا وتصورًا للحياة ونظم المعاش وطريقة تعاقد البشر في حيزهم المجتمعي على شكل حكمهم، منذ أرست ثلاثةُ نماذج وجودَها في الساحة السياسية، مطلقة شعاراتها الفضفاضة بدلًا من منهجية مؤسساتية تعقم وتطور إنتاجها المعرفي والسياسي وبالضرورة المؤسسي في كل دورة سياسية أو اقتصادية. فحكم العسكر الذي صبغ حكم المنطقة لم يكن حكمَ البعث السياسي في سورية والعراق وفقط، ولا حكم حركة التحرر الوطني المصرية، ولا حكم ثورة المليون شهيد في الجزائر، ولنا أن نعد الكثير في ذلك، لكنه كان الرائز والمؤسس لثلاثة نماذج من الأوهام، وربما من الكذبات السياسية في تاريخنا المعاصر:

القومجية العروبية صانعة الحربين: حرب الهزيمة المعلنة في 1967، والحرب التحريكية في 1973، وعلى أساسهما تحولت كل المشاعر العربية إلى مجرد حلم واهم في إمكانية استعادة فلسطين، وتحوّلت جموع الشعب إلى جمهور مصفق يردد أماني الشعارات الواهمة: “رمي إسرائيل في البحر”، أو “التفّ عليها من كل مواطن عربي، فتغرق في بحر من البصاق”! والغريب أن النموذج السلطوي العسكري، بالرغم من إعلامه المدوي: “تسقط الإمبريالية، تسقط الصهيونية”، فضلًا عن ذخر ميزانية الاقتصاد الوطني بنسبة تصل إلى 85 بالمئة، لمصلحة “تحرير فلسطين”.. لم يطلق طلقة واحدة عليها منذ ذلك التاريخ، وليس هذا فقط، بل عملت بكل ما أوتيت من دهاء ومكر على إفساد المجتمع، خاصة في قضائه وتعليمه، لتزيد من معادلة التأخر التاريخي بعدًا رابعًا، وهكذا كان ذلك النموذج نظامًا سياسيًا يقايض لقمة حياة المواطن بشعار براق.

الشيوعية العربية المُسَفيتة (نسبة إلى السوفييت) التي كانت قبل هذا النهوض القومجي محاولة في الفكر اليساري في الدفاع عن الثقافة الأخرى البديلة، وعن أزماتها المستعصية، إلى أن انداحت مع أحزاب السلطات القومية، في تحالفات مشبوهة سياسية في لعبة تقاسم السلطة، وإن كان من ذيلها، بمعنى الاكتفاء بفتات الوزارات الخدمية! وما شدة انقساماتها وتوالدها وتكاثرها إلا دليلٌ على مدى تبعيتها المفرطة للعبة الحكم في شبهة ما أسموه “الديمقراطية” الانتخابية الفجة، وهي التي لم تتجاوز مستوى التعيين من قبل صناع السياسة المحلية على مستوى السلطة.

التحليل النفسي لأزمات الأفراد، وهو يختص بإشكالات النمو العقلي والنفسي لدى الأفراد، وليس ذلك غمطًا لحقه وحق العاملين فيه، لكنه من نافل العمل، في مجتمعٍ تسود فيه هيمنتان: هيمنة السلطة المستبد التعسفية القسرية، والنموذج الديني المهيمن بنصه المقدس ومرجعياته الاجتماعية الدينية التي عملت ذات السلطات على تكريسه، بالرغم من ادعائها عكس ذلك في حربها على الرجعية وما شابه، سواء كانت بكتلته الإسلامية الكبرى أو بطوائفه القليلة الصغرى؛ حيث يصبح أي عمل في التحليل النفسي مثارَ جدل في قدرته على التعامل مع الحالات القهرية ونماذجها في واقع مجتمعي غير معافًى فكريًا وسياسيًا واقتصاديًا.

الأحزاب السلطوية الحاكمة بنماذجها الموصوفة بالعربوية هذه استأثرت بالسلطة كليًا، وصهرت الدولة ومؤسساتها في ذاتها الحاكمة فقط، لتقصي بذلك كلَّ معارضيها، ومحولة الشعب إلى جمهور محتوًى سياسيًا بهياكل “مؤسسية” و”نقابية” و”جمعيات أهلية” مفرغة من العمل السياسي، وتابعة لمنظومة الحزب الواحد وعقائديته، هي دول ما سمي بالجمهوريات ذات النظم الرئاسية القابلة للتوريث فعلًا، و/أو إمكانًا، تكريسًا لدكتاتورية أوليغاريشية، تضرب على كل أوصال المجتمع بقبضة أمنية عسكرية حديدية، تلك التي أطلق عليها واسيني الأعرج (الجملكيات) في روايته (رمل الماية) التي تعني الجمع بين النظام الجمهوري، بما يفترضه من أطر محض “نظرية حديثة” للدولة، مع النظام الملكي التوريثي ذي الصبغة التعسفية الدكتاتورية؛ كما أسماها خلدون حسن النقيب، “الدولة التسلطية” في كتابه “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر” (التسلطية هي التعبير المعاصر للاستبداد التقليدي، وهي وليدة القرن العشرين، حيث نجح العسكر في تحالفهم مع التكنوقراط في تكوين نخبة حاكمة تسيطر على الدولة والاقتصاد والمجتمع)، وقد برعت حنة أرندت في تحليل هذه الظاهرة، في تفنيدها لأسس الدكتاتورية ونظم عملها القائمة على تفريغ العمل السياسي، من مضمونه وتحويل عموم الشعب لتابعين للسلطة وأيديولوجيتها وفقط.

الأوهام الثلاثة أعلاه ليست الوحيدة في تاريخنا المعاصر، لكنها الأساس في مفصلة الموضوع الشعبي، في إطار خارج المعادلة الوطنية، وفي إطار هامشي من الثقافة والفكر، أعادت وسمحت بالضرورة لكل الأطر ما قبل الدولية، بالظهور إلى الساحة السياسية، وإعادة بسط نموذجها في الحياة مرة أخرى، ما ظهر وتجلى بشكل واضح في حركات التحرر العربي في الربيع العربي، فقد سقطت الأيديولوجيات الثلاث القومية والماركسوية والنفسانية التشخيصية أم معاناة الواقع المجتمعي، وأظهرت عجزها عن الوصول إلى داخل البنى المجتمعية، بقدر تمسكها بحصصها المتاحة من الحكم والاستثمار به.

في المقولة النظرية، الشعب هو عامة المجتمع، بكل تعييناته ومضامينه الفكرية والسياسية والاجتماعية، موالية كانت أم معارضة، وهو أيضًا تعيين الدولة بكل مكوناتها السياسية والاجتماعية. هذا ما حاوله الشعب حين أولى سلطات العسكر وفوّضهم بحكمه، لكن هي ذاتها درجت كحُزَب (جمع تكسير للحزب) على جعل المعادلة “الوطنية” هي الموالاة المطلقة المتجمهرة، وإلا فتهمة التخوين والتآمر هي النقيض المباشر لكل عمل، وإن كان في العمل الثقافي والفكري، وإلا لماذا تكثر بشكل مفرط تهمة التخوين والتعامل مع الخارج والتآمر على شعارات الحرية والاشتراكية، في هذه النظم؟! فقط لأن كذبها التاريخي لا يمكن أن يندرج في الواقع إلا على منوال احتكار الوطنية والحقيقة، وبالضرورة إقامة الوهم والاستبداد والعسف المجتمعي، وهدم كل مقوماته الوطنية الممكنة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق