أدب وفنون

لـقد مـات سـعيد

لم يتجاوز الخامسة من عمره وأراد تعلّم الكتابة، كلّ القرية جهّزت الأطفال في ذلك اليوم الأوّل من عودة الدراسة، إلا سعيد. لم يشتر له العمّ صالح كرّاسًا ولا قلمًا، ولم تصنع له عجوز القرية محفظة من جلد الماعز كما البقية، تلك العرّافة التي يناديها الجميع علجيّة. لقد كان حافي القدمين، يخبز الحصى بقدميه ويجلس القرفصاء أمام المنازل في انتظار لقمة سائغة، لكنه بكى كثيرًا حين شاهد الأطفال في يومهم الأول أمام المدرسة، وسرعان ما نسي الأمر، وانصرف إلى رعي المواشي في الجبل.

– ولكنّه كان يجيد الكتابة، كلّ الحجارة كتب عليها، وكثيرًا ما رسم بعض الخطوط على جلود الذئاب التي يلبسها.

مرّة، في غفلة من أهالي القرية، ترك قطيع الماعز وأتى إلى المدرسة، في يده قطعة فحم، وفي اليد الأخرى ورقة من غلاف كتاب قديم، ارتعبت المعلّمة من وجهه الشّاحب ومن أسماله البالية ومن رائحة العفن وجسده النّحيل، ولكنّها بكت حين رأت في عينيه دمعة، سألته عمّا يخفيه في جرابه الصغير.

– سأهديك هذا العصفور الصغير، لقد جلبت لك جديًا صغيرًا تركته خلف المدرسة، أريد أن أكتب اسم أبي، أن أتعلّم الحروف كي أكتب وصيّة أمّي على الغيم.

سعيد لم تلده أمه حسنيّة إلا وقوفًا، قرب مغارة العرافة علجيّة، هناك في أعلى الجبل، كانت وهي تلده ممسكة بشجرة الرتم، تعوي إلى فوق، تعض شفتيها كي تبرأ منه، وتسحبه بيدها اليسرى بعد أن أولجتها بعنف بين فخذيها، كي تختبر الدم المتساقط كالذباب الذي حام حولها. ذبحت صرّته بحجر من صوّان، خبّأته في كوم من التبن، لم تخبر أحدًا باسمه، مشت حاسرة الرأس وتركته، رمت بنفسها من حالق، وتعفنت في قاع الوادي، ولكن العمّ صالح أخبر القرية بأنّها ماتت بلدغة أفعى، وعرافة القرية كتبت له اسمًا جديدًا في مخدعها.

سعيد جلب عصفورًا إلى المعلّمة وجديًا، مثلما تفعل النساء أثناء زيارتهنّ مغارة علجيّة، ولكنّ العمّ صالح لحق به، جرّه من يده على الأشواك: كان الطفل يصرخ، كان يئنّ، كان يطلب الرّحمة من ربّ لا يسمع، كان يجهش، كان يشهق، كان يعوي، كان يسأل عن أبيه الذي هاجر إلى ليبيا ولم يعد، عن أمّه التي ذبحت صرّته بحجر من صوّان الجبل، لم يكن يعرف أنّ العم صالح راودها بعنف في غياب أبيه.

– ولكنّه كان يكتب كثيرًا.

مروى، هذه العاهرة التي تخمش صدري الآن بأظافرها، لم تكن تعلم أنّي علّمته ذلك منذ أن كنت طفلًا مثله في تلك القرية البعيدة، كان يتلصّص على مغارة العرّافة علجيّة، ويجلب لي التمائم التي كانت تكتبها للنساء، بعد أن تطعمهنّ الحشائش، حتّى إذا ما غبن عن الوعي جاء العمّ صالح ليشرب من حليبهنّ، كما فعل مع أمّه حسنية. مروى لا تعرف أنّ كلّ أطفال قريتنا ولدوا على ذلك النّحو، باستثناء سعيد الذي لم تلده أمّه إلا برغبة أبيه، والعمّ صالح كان يشتهيها لذلك حمله الغلوّ إلى التنكيل بها. أنا الآخر هربت من القرية صغيرًا وخوفًا من جحيم العمّ صالح، فكثيرًا ما صلبني على شجرة اللوز، لأنّ أبي صفعه أمام العرافة، ولم يترك أمّي وحيدة في مغارتها.

– حين تكبر، ستغتصبك علجيّة.

سعيد قال لي ذلك، في ليلة من صقيع لا يلجمه حتّى الشيطان، أحرق أمامي كلّ التمائم، وكتب اسم أبيه على الحجارة، وقهقه مثل ملاك طائش من السماء، مثل شيطان في وداعة ذلك الملاك. ذبح عصفورًا بحجر من صوان، مثلما فعلت أمّه بسرّته ورماه على الحطب، ثمّ أوقد مزيدًا من النّار، نكاية في تلك المعلّمة التي اغتصبها العمّ صالح أيضًا، ثمّ غابت بعدها عن القرية من دون أن يعرف أحد عن مصيرها.

– هنا دفنتها العرّافة.

أشار سعيد إلى كوم من التراب وأخذ في نبشه، أخرج رفاتها، حمل جمجمتها بين يديه ورمى بها إلى قعر الوادي، ثمّ غاب وئيدًا في الظلام، ضاعت أخباره منذ تلك الليلة. هو الذي كان يغنّي بصوت يزلزل الفلوات، وأحيانًا أخرى فيما مضى، كان ينبح مثل الكلاب كي يعلم أهل القرية بمجيء الذئاب، فيخرج الرجال ويحرسوا مواشيهم. كان يأكل العقارب نيّئة ويصطاد الأفاعي، وكان درويشًا يرقص في التعازي ويبكي في الأفراح. كان غامضًا كهذه الليلة التي تفترشني فيها العاهرة مروى، بعد أن أخبرتني بموته حين عاد إلى القرية، ووجدوه جثّة هامدة في أحراش الجبل، هي الأخرى غادرت قريتنا ولن تعود إليها.

– لقد شوّهتك المدينة.

قالت مروى وهي تأخذ سيجارتي التي سقطت من يدي، أشعلتها ببطء، سحبت منها أنفاسًا متتابعة ورمتها في ركن البيت، وجهها كان يتيمًا إلا من شرف القرية، لقد أصبحت بائعة هوى، وهذا أسلم لها من العودة إلى هناك، كثيرًا ما كانت تعود بي في آخر الليل، تبحث عنّي في الحانات وتحرّضني على العودة إلى قريتنا، وإلى تلك المغارة التي قتل فيها جدّي ومارست فيها العادة السرّية، ونكحت داخلها صبايا القرية، وإلى ذلك الجبل الأجرد المكدود حيث مات سعيد بلدغة أفعى وهو ينام على الصخر.

– تريدني مرّة أخرى، أنا ذليلة المدينة، أنا عار أسلافك.

بكت مروى وأنا أنسى سعيدًا وموته، بكت حين طرحتها على الفراش وأشعلت في جسدها نقمتي تجاه العالم وهزائمي وخساراتي. أنا الكلب، كلب الكلاب، ذئب الجبل كما سمّاني سعيد، لم أعرْ صراخها انتباهًا، بل صرت أضجّ في تفاصيلها مشعلًا نهدها المكتمل كحجر الصوّان وشراره. هي الأخرى نسيت حزنها الآن، سرعان ما انقلب دمعها إلى شهوة جامحة ليمتزج بالمنيّ الذي سكبته على شفتيها وخدّيها.

– قل أحبّك كي أصدّق الوهم، كي أرتكب الجنون.

هكذا صرخت وهي تغرس أظافرها في لحم الكتفين. سعيد كان دائمًا يقول لي: “أهون على المرأة صفعها من أن تقول لها: أنت مومس”. لقد مات، وهذا كلّ ما في الأمر، لحظات للفاجعة وبقيّة الزمن للخطيئة، نرتّب الحزن بدفعه إلى أقصاه، بتخريبه إلى أبعد حدّ.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق