هموم ثقافية

حين يختان المبدع قضيّته!

الثورات قاطرات التاريخ… هكذا توقف كارل ماركس عند جوهر الثورات وديناميّاتها، فحين تستكمل الثورة شروطها ويكتمل الحمل وينضج؛ يبدأ المخاض للخروج من حالة الاستنقاع والعفونة، إلى حالة التّجدد والهواء الطّلق والاستنارة؛ حيث ينداح بعدها الطوفان بمده الثوري المذهل، كـ تسونامي زاخم بلا حدود، ليتجلى الصراع بكل وجوهه، بين قديمٍ يريد أسر التاريخ عبر أدواته الرجعية الحارسة للماضي، بكل حلكته وإعاقته وتقليديته، وجديدٍ يولد من رحم القهر والمعاناة والفساد والطغيان، ويطمح إلى العبور نحو الغد الأفضل والحياة الأنضر، لتبدأ اصطفافات الناس في إحدى الخانتين: خانة الثورة أو خانة الثورة المضادة.

بعضهم، من خلال مصالحه وتدني معرفته لقيمة الحرية، من حيث هي فهم للضرورة والإيمان بالتغيير، يلوذ بالصمت أو ينحاز لقوى الماضي، وقد يتحول إلى بلطجي تستخدمه السلطة الآيلة للسقوط، كأداة للبطش بالثائرين على الطغيان والطغاة. وهؤلاء ما أُطلق عليهم بعد اندلاع الثورة السورية العظمى بالشبيحة، وهم حثالة القوم وسدنة معبد الاستبداد والفساد؛ حيث أغلبهم من محدثي (النعمة) ومن المتاجرين بالعملة والمخدرات، وبطانتهم المتوحشة من أزلامهم الذين لم ينالوا نصيبهم من التعليم، حيث لا يفرقون بين حلال أو حرام، فالضمائر منتزعة والقلوب قُدّت من حجر.

أما شبّيحة الطّاغية، من النّخبة، فتجدهم أكثر عهرًا، كونهم يتفنّنون بممالأتهم للسلطة ومقدرتهم العالية على تزييف الحقائق وقلب المفاهيم، استنادًا إلى بروباغندا تتكئ على الديماغوجية الرخيصة والوقاحة والفجور العاريين، وبخاصة على جبهة الإعلام. أما أولئك المشتغلين تأريخيًا على جبهة الثقافة والفكر والأدب والدراما، فأوزارهم أكبر حملًا وأثقل عارًا، وعلى وجه الخصوص تلك القامات المشهود لها بإبداعها، التاركة بصمةً مهمةً في مسيرتها المديدة، والحائزة إعجابًا واحترامًا واسعًا من قبل جل المهتمين بالشأن العام. ومن هؤلاء القوم نجد شاعرًا ومفكرًا فرانكفونيًا بارزًا، استعار لنفسه اسم آلهة مثيولوجية سورية متعاليًا -بأناه المتضخمة- على دماء السوريين وتضحياتهم الجِسام، حيث ناصب الثورة العداء منذ بدايتها، وتهجّم على طلائعها الشجاعة بحجة أنهم خرجوا من الجوامع! وهو العالم أن في سورية (الأسد) لا يستطيع السوريون أن يلتقوا ببعضهم البعض، إلا من خلال صلوات الجُمَع والجامعات، علمًا أن المذكور كان قد أيّد ثورة الخميني وملاليه بلحاهم ودعواهم الطائفية البغيضة، ولم ير فيهم رموزًا ثيوقراطية نحرت خيرة رجالات الثورة الإيرانية ونخبها البارزة، من يساريين وديمقراطيين وليبراليين، اشتغلوا طيلة عقود على العصرنة والحداثة والاستنارة، ليأتي المعممون المعجب بهم هذا الحداثوي الآلهة! ليعمموا اليباب والخراب في طول البلاد وعرضها؛ بل ليصدّروا مشروعهم الفتنوي الطائفي الدامي، جاعلين منه مشروعًا عابرًا للحدود بتقيّة خبيثة، يراد منها تحقيق حلم قومي شوفيني، لتذرير جغرافية المنطقة العربية وتهجير أهلها ودفعهم نحو التّيه.

إن هذا الشاعر الفرانكفوني، الناطر منذ سنين، دون كلل أو ملل، على أبواب الأكاديمية السويدية، مستجديًا إياها منحه نوبل من دون جدوى. شتم الثورة السورية وانحاز إلى صف القَتَلة، ولم ير فرسان الحريّة الذين انطلقوا من أحرام الجامعات السورية، وما تعرضوا له من قبل حثالة النظام من شحط وتكسير عظام ودك بصناديق سيارات أسيادهم، أمام مرأى العالم وبمشاهد تندى لها أجْبِنَة البشر (وهذا الذي لم تره عينا الفرنكفوني الفصيح أدونيس!)… إن هذا المتأله والمتلعثم أمام الحقائق الصادمة، لم يخجل من وجوه الأطفال الشهداء المعفرة بالتراب والدماء، بفعل براميل الطاغية وخبيره من آل إسبر… ناسيًا أن الثورة غربال، وأن التاريخ لم ولن يرحم من اصطفوا إلى جانب الطغاة والقتلة والسفاحين.

في كل مرة، وعند كل لقاء، ظل أدونيس يجدّد موقفه المعادي للثورة السورية؛ حيث يرد هذه المرة على زينة اليازجي قائلًا ما مفاده: إن الثورات عمومًا، والثورة السورية بخاصة، كلها مفرغة من العلمنة، وهي مشحونة بالنفس الديني، متناسيًا أن اتكاء نظام حافظ الأسد (العلماني) على المؤسسة الدينية الأشعرية منذ سطوته على الحكم عام 1970، جاء من أجل تسويقه عبر هذه الشبكة العلمائية الدمشقية الكهنوتية، التي كانت تعبر عن مصالح تجار الشام تاريخيًا، ثم أضحت في خدمة البرجوازية الطفيلية الكومبورادوية والمؤسسة الأمنية الأسدية لاحقًا، ثم غدت -بكل صفاقة- الشريكة العلنية والضلع الثالث في مثلث الاستبداد والفساد والقتل للثائرين السوريين أحرارًا وحرائر… وأنّ دِين أهل الشام هو دين وسطي ذي نزعة مدنية، وأن السوريين مدنيون بطبعهم، وهذا ما أكدته ثورتهم المجيدة عند انطلاقتها.

لكن يبدو أن هذا الشاعر الكريستالي المترفّع عن الشعب السوري البطل، الذي حطم جدار الخوف السميك بثورته العظيمة، وداس على وجه الديكتاتور/ الصنم بفروسية وشجاعة؛ هو شاعر الصالونات الأنيقة المعطّرة بمنتجات ديور… وليس شاعرًا لشعب وثورة أدهشت العالم.

على العموم، فإن الحالة “الأدونيسية” ليست حالة فردية تخص شخصًا بعينه وحسب، بل غدت ظاهرة لكل مثقف خان الوطن والشعب، وأدار ظهره لثورة عظيمة نَظّرَ لها كثيرًا ودعا لقيامها، من خلال منجزه الإبداعي لسنوات طويلة، وصَفَق الباب بوجهها حين طرقته وهي بكامل بهائها وأناقتها، متحالفًا مع نظامٍ لم يعرف التاريخ له مثيلًا بوحشيته وغدره وجرائمه التي فاقت كل وصف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق