تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ما بعد تشتت وتشظي المعارضة السورية

في ظل حالة التشظي واللاجدوى التي تعيشها المعارضة السورية، بشقيها السياسي والعسكري، وضمن ضرورات المرحلة وحرجها؛ يبرز سؤال يخص الواقع السوري المتشظي والمتفكك، عن إمكانات تجاوز هذه الحالة من الضعف والتشتت التي تحول دون تشكيل حوامل وطنية ديمقراطية، في الساحة السورية.

وفي محاولة للبحث عن إجابات، قال الباحث السوري سليمان الشمر لـ (جيرون): “لا شك أن المرحلة التي آلت إليها الثورة السورية العظيمة، هي مرحلة شديدة التعقيد، بحكم كثافة التدخل الدولي والإقليمي وطبيعة النظام الذي خرجت عليه، وحجم التهتك المجتمعي الذي عمقه الاستبداد، فالثورة لم تستسلم بعد، ومن غير المتوقع أن يحصل هذا، على الرغم من الانتكاسات التي أصابت بعدها العسكري، وإلى حد ما السياسي، ليس فقط بفعل القوتين العسكريتين الروسية والإيرانية وتوابعهما، لكن أيضًا لعوامل ذاتية تكمن في طبيعة الذين تصدروا المشهد السياسي والعسكري، وتشتت أهوائهم السياسية والأيديولوجية، وتباعد أهدافهم الخاصة وتفارقها مع الهدف الأساس الذي خرج من أجله السوريون، ألا وهو الحرية والكرامة، وهذا ربما يجد تفسيره في طبيعة الثورة، من حيث هي ثورة عفوية، لقد كانت ثورة شعب، لم يطلقها حزب أو حركة معينة، ولم يدّع أحدٌ ذلك”.

وأضاف الشمر: “عند هذه العتبة، يتجلى الصراع الدولي في أعلى مراحله، حيث لم يُترك للسوريين، سواء أكانوا سلطة أم معارضة، أيّ دور، لقد باتوا خارج معادلة الصراع. وعلى ذلك؛ قبل أن يُحسم هذا الصراع سواء عبر اتفاق بين الأميركيين والروس -وهو الأمر الذي لا تبدو في الأفق مؤشرات تدل عليه- وقبل أن تخرج إيران وتوابعها من سورية، وقبل أن تتحدد طبيعة الدور التركي وربما الروسي، فإن آفاق شروط أي عمل فاعل للمعارضة السورية السياسية غير متوفرة، ولا بد من انتظار تغيرٍ في المعطيات التي تتحكم في الصراع، فمن الصعب اجتراح برنامج يجمع القوى المعنية بالتغيير الديمقراطي، وباتت الثقة مفقودة، وتعرت كثير من القوى والشخصيات وفقدت مصداقيتها، وتسود حالة من فقدان الوزن وضياع الهدف، لذلك أعتقد أن هذه المرحلة هي من أخطر المراحل، من دون أن يعني ذلك أن الثورة فقدت زخمها أو مبرراتها، وأن الثورة المضادة التي جهد العالم بأكمله بالعمل على إنجاحها وإفشال الثورة بلغت غايتها، لكنها مرحلة تراجع تحتاج إلى وقفة تأمل ونقاش عميق وشامل، قد يساهم في لملمة التشتت المجتمعي السوري، الذي ظهر بشكل كارثي وغير متوقع، فالتنوع المجتمعي الذي كان يفترض أن يكون مصدر غنى، بات بفعل الاستبداد المديد وانتعاش العلاقات ما قبل الوطنية، وبالًا ليس من السهل تجاوزه، وقد يكون استسهال إطلاق المشاريع الارتجالية أكثر خطرًا على صيرورة الثورة، من غياب مثل هذه المشاريع”.

وختم الباحث السوري المعارض بالقول: من المفيد أن تركّز هذه النقاشات على خطاب وطني جامع، يوحدهم على رفض الاحتلالات القائمة، والتوافق من خلال مؤتمر وطني عام على مستقبل سورية دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان لكل السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم الفرعية”.

أما الباحث السوري منير شحود ففد رأى أن “السؤال عن تشتت المعارضة صعب للغاية؛ إذ إن السؤال ذاته لم يعد يعني الكثير. إن كان المقصود منه إعادة ترميم المعارضة الحالية، أقصد المعارضة السياسية الرسمية، فهذا بات غير ممكن، لأنها مرتهنة كليًا، ولم تكن نسخها المتعددة من المجلس الوطني إلى هيئة التفاوض إلا حصيلة تحولات المؤثرات الإقليمية، وصعود نفوذ هذه الدولة أو تلك، وتحكمها في ملف المعارضة السورية جزئيًا أو كليًا، ولم تخرج تحديثاتها عن الخط العام الذي ليس له أي صفة تمثيلية حقيقة لمصالح السوريين أو جلهم”.

وأضاف: “على الرغم من رفعها شعارات سورية عامة، فقد كانت المعارضة أقرب إلى طرف في حرب أهلية، أكثر من كونها تمثل مصالح كل السوريين، كما يصنّفها المجتمع الدولي بناءً على رؤيته للصراع في سورية، ولو أننا قلنا غير ذلك. ومع أن المعارضة الرسمية الحالية لا تتمتع بتلك الأهمية التمثيلية، فإن وجودها ضروري لتكوين كيان سياسي في المرحلة الانتقالية، وحين تبدأ هذه المرحلة، تذوب المعارضة في الكيان الحوكمي الجديد، وتنتظر سورية ولادة بنيتها السياسية المنبثقة من آليات ديمقراطية داخلية”.

ونبه شحود إلى أن الحامل الوطني الجديد، كبديل لهيئات المعارضة الحالية، “غير ممكن في المرحلة الحالية، إذ لا بد أن تنقضي المرحلة الدولية التي تنتظر التوافق على الحل، حيث ستتمثل سورية بقوى أو عناصر من طرف النظام والمعارضة الرسمية والمجتمع المدني، وعلى حساب العنصر الأخير قد تتطور أحزاب وجمعيات تمثل شرائح عريضة من السوريين، علاوة على ما تفرزه الانتخابات المقبلة في الفترة الانتقالية، على طريق انتقال سورية إلى دولة ديمقراطية تفرز انتخاباتها القوى التي تفوز برامجها، وتصعد إلى السلطة والقوى التي تفشل، فتكون معارضة وتنتظر لتجرب حظها في جولة الانتخابات التالية، كما في كل البلدان الديمقراطية وبنكهة محلية. أما بالنسبة إلى المعارضة المسلحة، وإذا استثنينا الفصائل المتطرفة، فمصيرها مرهون بالتسويات النهائية، ضمن الحل السياسي المرتقب، واندماجها في الأجهزة العسكرية والأمنية، عند إعادة هيكلتها”.

المعارض والأستاذ الجامعي محمد نور حمدان كان له رأي مختلف، وقال لـ (جيرون): “لا شك أننا نحصد نتائج التشظي والانقسامات والتحزبات المقيتة التي عايشناها طوال الفترة الماضية، سواء على المستوى السياسي أو المستوى العسكري، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، منها عدم وجود مرجعية سياسية حقيقية يمكن البناء عليها والاعتماد عليها، في تمثيل المعارضة تمثيلًا حقيقيًا في المحافل الرسمية والدولية، وعدم وجود جيش وطني موحد يتبع لقيادة عسكرية واحدة، من أصحاب الكفاءات والخبرات، وظهور الأيديولوجيات المستوردة التي أدت إلى ظهور انقسامات كبيرة بين الشباب السوري، ووجود حالة انقسام وشرخ كبير بين المعارضة والمجتمع”.

ورأى أن “هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى ظهور حالة إحباط كبيرة، من وجود أمل لأي إصلاح في الأجسام السياسية والعسكرية، وتجاوز هذه الأزمة، وحل هذه المشكلات الكبيرة يحتاج إلى عمل كبير من القيادات الفاعلة ومن المصلحين، ومنها العمل على إعادة بناء مفهوم الثورة، ولماذا قامت هذه الثورة، ثم غرس القيم في نفوس المجتمع كالحرية والعدالة والمساواة، ونبذ الخلافات المقيتة والتعصبات التي كانت سببًا في الانقسامات، وتفعيل دور الرقابة الشعبية من خلال إيجاد آليات واضحة للمحاسبة والرقابة، والعمل على دعم قيادات سياسية وعسكرية، أثبتت إخلاصها ونزاهتها وكفاءتها في المرحلة الماضية والالتفاف حولها”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق