كلمة جيرون

أين سيرفعونه؟!

يقولون: “كلما علا صوته؛ قلّت حجّته”، ويقولون أيضًا: “سيّئ العقل كالفخار المكسور؛ لا يُرقّع ولا يُعاد طينًا”.

مناسبة هذا الكلام ذلك “العلم السوري” الجديد الذي تبنّته جهة تدّعي أنها مع الثورة، عَلمٌ قرروا منفردين، على حين غرّة، أن يضعوا في وسطه شعارًا دينيًا! وذلك في وقتٍ يسعى فيه السوريون للتوّحد ونبذ الاختلاف، وتفادي سقوط سورية في هاوية التمذهب والتخلف الطائفي والديني والعرقي والقومي، ويُناضلون من أجل إسقاط نظامٍ صنّفهم وفرّقهم وميّز بينهم، وادّعى أنه حامي حمى الأديان.

بعد سبع سنوات ونصف من بدء الثورة، تذكّر أولئك أنهم يريدون عَلمًا دينيًا لسورية، من دون أن يفكّروا أين سيرفعونه! بعد أن هُزمت المعارضة المسلحة والفصائل العسكرية على نطاق واسع في سورية، وبعد أن خرجوا أساسًا من المناطق التي كانوا يُسيطرون عليها، تذكّروا الآن أن “مرجلتهم” يجب أن تنصبّ على اختراع الأعلام.

لا يمكن فهم هذه التصرفات سوى أنها استعراضات فارغة، وتهييج لجماهير بسيطة تحترم الدين، ومحاولة للتحشيد بشعوبية غير لائقة، ظانّين أن هذه الخطوة ستُحرج السوريين، لكونها تمسّ الدين، وسيخشى الجميع الحديث عنها خوفًا من استسهال التكفير.

نسي هؤلاء أن القويّ قويٌ بفعله لا باستعراضاته الفارغة، وأن ما يهم السوريين أن تبقى الثورة رافعة رأسها، لا أن ترفع الأعلام رؤوسها هناك وهناك، كما نسوا أن أحدًا لن يهتمّ بما يُقدّم من رايات وشعارات، وإنما بما يُقدّم من مبادئ وأفكار ومُثل وقيم وأفعال، على أي صعيد، سواءً أكان على الصعيد السياسي أم الفكري أم العسكري، وهو ما لا يملكونه.

للأسف، هؤلاء “ليسوا الوحيدين… لكنّهم الأجدد”، فقد سبقهم كُثر، رفعوا أعلامًا كثيرة، خضراء وسوداء وصفراء وحمراء وبيضاء، تُعبّر عن أيديولوجية هذا الزعيم أو ذاك، زعماء الميليشيات الطائفية وأمراء الحرب ورؤساء العصابات، من أتباع النظام أو من راكبي موجة المعارضة، أعلام لم يحفظها أي سوري حتى أتباعها، وكانت شكلًا من أشكال إفرازات الحرب السورية.

أعلام صفراء بنجوم حمراء، ونسور وأوراق غار، وشموس ملونة، ونسور ذهبية، وشمس الآلهة الزرقاء، وعاصفة حمراء، ونجوم خضراء، وصلبان وبسملات وسواد يُعمي العين، ويدّعي رافعوها أنها أعلام سورية المستقبل، سورية الحرية والكرامة، دون أن يُقدّموا فعلاً واحدًا يؤكد سعيهم لاسترجاع كرامة السوري المسكين.

بالعموم، ليس هناك الكثير مما يُقال هنا، خاصة عندما نعرف أن الشعوب لا تفنى جسديًا وماديًا، لكنها تفنى عندما ينحطّ فكرها. ومقاومة هذا الفناء هو الهدف الأساس للثورة السورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق