مقالات الرأي

العنف “المُقَدَّس” راهنًا!

يرى عدد من المؤرخين الذين انكبوا على ثيمة العنف وأصوله الاجتماعية والثقافية عبر التاريخ، اجتماع شرطين لإمكانه في المجتمعات البشرية: الدين والأيديولوجية. هذا، على أن يفهم الدين خصوصًا -كي لا تختلط الأمور على المتسرعين- ضمن مفهومه التاريخي البشري، نظرًا وممارسةً، أي مجموع تأويلات النصوص المقدسة الجوهرية المتوالية على مرِّ العصور، وكذلك ما كان يضاف إليها دومًا من تأويلات لها أو تعليقات عليها، تجسدت خلال مراحل تاريخية في ممارسات تعتمد حرفية النصوص، أو تنتقي ما يلائم منها الظرف والمكان عمومًا، وتتبنى انطلاقًا من ذلك التأويلات التي تستجيب لأغراضها الآنية أو العاجلة، بمعزل عن قداستها، مع تبنٍّ أحيانًا لهذه الأخيرة في الوقت نفسه.

يكمن الدين والأيديولوجية إذن، معًا، في التأويل والتفسير والاجتهاد على مر العصور أصولًا وتراكمًا، مثلما يُعتمدان من أجل تبرير استخدام العنف وإضفاء طابع من “القداسة” عليه في حملات تبرير لا تخفى مرجعياتها الدينية، ولا سيما حين يستخدم من قبل جماعات أو مؤسسات أو أنظمة لا صلة لها بالدين أو، على الأقل، لا تتذرع به منهجًا لسلوكها أو لممارساتها. شهد القرن العشرون على امتداده واستمر مع القرن الحالي ممارسة وتبرير العنف على هذا النحو من قبل إمبراطوريات غابت الشمس عنها اليوم، ومن دول عظمى ورثتها وحلت محلها. لكن أشكالًا أخرى من العنف ولدت في العالم العربي تميزت بخصوصية غير مسبوقة، سواء على صعيد الممارسة، أو أدواتها، أو ممارسيها، أو ضحاياها.

فقد حفلت سنة 2011 التي شهدت انطلاق ثورات الشعوب العربية، والسنوات التالية عليها في البلدان الأساس من العالم العربي، تلك التي تميزت بموقعها الجغرافي، أو بممارساتها التاريخية للسياسة بمعناها الأصل، أو بهيمنة شبه مطلقة فيها للاستبداد، أمثلة على ممارسة أشكال مختلفة من عنف بدت من الوهلة الأولى وكأنها غير مسبوقة تاريخيًا، لكن وجودها سرعان ما تجلى للجميع، ضمن صيرورة طبيعية واستمرارية تاريخية انطلقت، أساسًا، من اعتماد النصوص المقدسة الأولى تارة، أو الأيديولوجيات الدينية التالية عليها تارة أخرى، لكن عددًا من ممارسيها المعاصرين اصطنعوا لها مبررات جديدة، دنيوية في ظاهرها، لكنها لن تختلف على كل حال عن الأولى، لا في الشكل ولا في المضمون ولا في الغايات. ذلك يعني أن نظم الاستبداد في العالم العربي على اختلافها، ملكية أو “جمهورية”، وجدت ضالتها في ما استحدثته أو شجعت على استحداثه مؤسسات أمنية متعددة الجنسيات، بالتعاون الرسمي أو الخفي مع مؤسساتها المماثلة من جماعات وهيئات وألوية و”جيوش”، مسلحة كلها، وفي مقدمتها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي فرض نفسه بأشكال من العنف مغرقة في البدائية، مع تسويق لها بوسائل وأدوات مغرقة في الحداثة.

لا يعني ذلك أن العنف قد بدأ في العالم العربي اعتبارًا من السنة المشار إليها. لكن أشكاله كانت خلال هذه الفترة، بالمقارنة مع تلك التي مورست خلال القرن الماضي، شديدة الاختلاف وأقرب، في مداها وطرقها وقسوتها -ولاسيما تلك التي اعتمدها النظام الأسدي في سورية، والتي يستهدف هذا المقال بحثها- إلى تلك التي مارستها النظم النازية والفاشية في أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، وفي أميركا اللاتينية في نصفه التالي. كما أنها شملت خلال الأعوام الثمانية الماضية طيفًا واسعًا، يبدأ من القتل الفردي اغتيالًا أو بعد التعذيب في المعتقلات، وينتهي بالقتل الجماعي قصفًا بالبراميل أو بالسلاح الكيمياوي، أو عن طريق مجازر جماعية تختتم بحرق الضحايا.

وقد تعددت أشكال العنف بتعدد الغايات المستهدفة منه وبتعدد هوية مستخدميها، مثلما تعددت طرق الإعلان عنه وتسويقه. أما المبررات فلم تكن تقدم إلا في صيغ دعائية دينية أو أيديولوجية أو الاثنتين معًا، حيث كانت كلها -بلا استثناء- أقرب إلى السذاجة في مرجعيتها الدينية، أو إلى الكذب الصراح في مرجعيتها الأيديولوجية “النضالية”.

أما الغايات فكانت تراوح بين قمع المعارضين، فرادى وجماعات، من القياديين حتى الأنصار، بواسطة الاعتقالات والتعذيب، وإدانتهم بعد محاكمات صورية غالبًا، وبين اغتيالهم حيثما كانوا، داخل البلاد أو خارجها. وكانت في بلدان عربية أخرى تستهدف طائفة بعينها، الشيعة في هذا البلد، أو السنة في البلد الآخر. أما في سورية فكان الوضع مختلفًا كليًا عن البلدان العربية كافة. إذ لم يكن ثمة تمييز -والحق يقال- في استخدام مختلف أشكال العنف بين انتماء المستهدفين، أيًا كانت أحزابهم أو أصولهم الإثنية أو الدينية أو الطائفية، ما داموا موضع شك في ولائهم غير المشروط للنظام الحاكم.

أما الوسائل فكانت تتطور بالتدريج مع تطور الثورة وامتدادها الشعبي، جغرافيًا وزمنيًا، اعتبارًا من آذار/ مارس 2011. فبعد أن كان العنف مقتصرًا، خلال أربعين سنة من الهيمنة الأسدية، على القمع والإرهاب الأمني والاعتقال مدى الحياة بلا محاكمات طوال سنين بل عقودٍ من السنوات، وعلى اغتيالات محدودة لعدد من المعارضين، بدأ النظام الأسدي في عهد الوريث يمنهج خياراته وطرقه في العنف. فقد لاحظ، منذ البداية، أن الشباب كانوا القوة الأساس في التظاهرات التي انطلقت من درعا إلى حلب ومن دمشق إلى دير الزور. وأن قادتها ومنسقيها كانوا شبه مجهولين لدى مختلف الدوائر الأمنية الممسكة بخناق السوريين، طوال نيف وأربعة عقود. ومن ثم فقط عمل الأمن الأسدي على استهدافهم بمختلف الوسائل: باعتقالهم وقتلهم تحت التعذيب وتسليمهم موتى إلى أهاليهم، كما لو كان يعلن للآخرين من أمثالهم مصيرهم إن اعتقلوا. ثم تطور العنف إلى استهداف المتظاهرين بالرصاص الحي، كي يتواصل بعد ذلك قصفًا بالدبابات وبالمدافع، كما حدث في حمص وحماة ودير الزور بعد ستة أشهر من انطلاق الثورة؛ استخدمت كافة الأسلحة الكلاسيكية والمحرمة، كالسلاح الكيمياوي في 21 آب/ أغسطس 2013، فصار القتلى لا يعدون بالمئات ولا بالآلاف بل بعشراتها، كي يتجاوز عددهم ثلاثمئة ألف في نهاية عام 2014، دون الحديث عن استمرار الاعتقال والتعذيب والقتل الذي سيكشف من خلال عملية (قيصر)، المصور الفوتوغرافي في الشرطة العسكرية السورية، الذي سرب إلى فرنسا جزءًا مهمًا من صور المعتقلين القتلى في السجون الأسدية في عام 2015.

لم تقتصر أشكال العنف على الاعتقال والتعذيب والقصف الجوي والبري، بل اعتمد أيضًا وسيلتين إرهابيتيْن يحقق عبرهما هدفه الأساس، أي التغطية على الفظاعات التي يرتكبها بحق شعب كامل: الأولى، عن طريق ميليشيات غير رسمية من ناحية، وعن طريق الجماعات “الإسلامية” التي بلغ عددها المئات خلال عامي 2014 و2015 والتي أعلنت وسائل إعلامه عن وجودها قبل أن توجد حقًا، حين تحدثت عن جماعات إسلامية أنشأت “إمارات سلفية” تذكر بقندهار من حول حمص وحماة، وقد ارتكب الجيش الأسدي باسم هذه الميليشيات عددًا من المجازر استهدفت عائلات بأكملها، لحض الناس على الهجرة من بيوتها وقراها في مختلف البقاع السورية، وارتكبت الميليشيات ذاتها عددًا منها، مثل مجزرتي البيضاء وبانياس في أيار عام 2013، أو مجزرة عدرا في كانون الأول من السنة ذاتها. والثانية هي انطلاق ما سمي بتنظيم تنظيمات الدولة الإسلامية (داعش) من سورية في نيسان/ أبريل 2013، وتشير كثرة من الأدلة والقرائن إلى استخدام النظام الأمني الأسدي لها في تحقيق مآربه داخل سورية وخارجها، مثلما تشير أدلة وقرائن أخرى أيضًا، في الوقت نفسه، إلى استخدام الهيئات الأمنية لها لدى القوى الأجنبية، الإقليمية والدولية، المتواجدة في سورية.

كانت أشكال العنف بلا حدود، غير المسبوقة في سورية العصر الحديث، وسائلَ هذه القوى جميعًا للقضاء على ثورة شعب أولًا، ثم تحويلها، ثانيًا، إلى صراع بين قوى علمانية وقوى سلفية تارة، أو بين نظام الممانعة والمقاومة من جهة، وقوى ارتهنتها قوى إقليمية ودولية لإسقاط هذا النظام من جهة أخرى. وكان الهدف النهائي من استخدامها إرغام العالم كله على الاختيار بين النظام الأسدي والنظام السلفي الذي تعد به “الجماعات الإرهابية الإسلامية التي لم ترفع يومًا شعار إسقاط النظام، ولا علم الثورة (الذي استحوذت عليه بعد تعديله أو بالأحرى تحريفه بما يعني حرْفًه عن هدف الثورة السورية أساسًا).

لم يكن النظام الأسدي الذي بات اليوم أسير قوتيْن، إقليمية ودولية، من استطاع تحقيق كل ذلك وحده، بل كان منذ البداية تحت رعاية ورقابة سياسية على الصعيد الدولي، ولوجستية وعسكرية من قبل إيران وروسيا، اللذين انتهيا إلى الاستحواذ على سورية أرضًا ومصيرًا، ولأجل لا يضع حدّا له سوى الشعب السوري نفسه. لكن الدين -ضمن مفهومه التاريخي كما أسلفنا- والأيديولوجية كانا، عبر أشكال العنف غير المسبوقة، الأداتين الرئيستين في التبرير وفي التهويل وفي الإرهاب، دفاعًا عن نظام الاستبداد، ثم تثبيتًا لدعائمه عن طريق محاولات تأهيله التي باتت اليوم، رغم كل شيء، أضغاث أحلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق