تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أستانا القادم بغياب السوريين

تجري التحضيرات لعقد جولة جديدة من جولات أستانا، على مستوى وزراء خارجية الدول الثلاث الضامنة، في ظل غياب وفدي المعارضة والنظام. ولا يعرف السوريون مَن سيفاوض مع من، وكيف يمكن لاحقًا للمعارضة السورية أن تُفاوض النظام من دون امتلاك عوامل قوة، ويشير البعض بهذا الصدد إلى أن المفاوض السوري بات “مفاوضًا من ورق”، فكيف ستكون نتائج الجولة المقبلة من أستانا؟ ولماذا على المفاوض السوري أن يُشارك أو يُقاطع؟

اكتفى أحمد طعمة، رئيس وفد أستانا في المعارضة، بتعليق لـ (جيرون) في معرض دفاعه عن مسار أستانا، قال فيه: “إن اتفاق إدلب الذي أنقذ أكثر من ثلاثة ملايين شخص، هو خلاصة مسار أستانا، وهو اتفاق مستمر وثابت، على الرغم من محاولة النظام خرقه”.

أما أحمد العسراوي، عضو هيئة التفاوض، فقال: “لنعد إلى البداية، نحن في هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، لم نكن نرى في أستانا مشروعًا جديًا لانطلاق العملية السياسية التفاوضية، ومع أن الداعين إلى أستانا قالوا حينذاك إنها ستعمل على وقف إطلاق النار (الأعمال العدائية) وعلى الإفراج عن المعتقلين والمخطوفين، كبوادر لزرع الثقة وكمقدمة للحل السياسي المعتمد على بيان جنيف والقرارات الدولية ذات الصلة بالمسألة السورية، وإن هذا المسار سيكون تفعيلًا للعملية السياسية، بعد أن خمد بريقها في جنيف نتيجة عدم استعداد وفد النظام للدخول إليها بجدية. نعم كنا نراها محاولة من داعمي النظام لتحويل العملية السياسية التفاوضية، من مفاوضات بين النظام والمعارضة، إلى مراجعة ذاتية من فصائل مسلحة معارضة متمردة على (النظام الشرعي) كما يرونه، وبمعنى أوضح: إنهم لا يريدون أن يعترفوا بأن هناك معارضة وطنية تحمل المشروع الوطني بالتغيير الوطني الديمقراطي الجذري والشامل”.

وأكد العسراوي أن “مساري أستانا وسوتشي أمام احتمالين ليسا متقاربين: أولهما أن الأول قد أصبح من الماضي، مع أن من يتبنونه يريدونه مسندًا يتكؤون عليه، وثانيهما على مفترق الطرق بين الحياة والاندثار، وهذا يعتمد على إمكانية تفعيله، وفق النص الرسمي المعتمد من مؤتمر الحوار السوري المنعقد في سوتشي، بنهاية الشهر الأول من هذا العام، المنشور على صفحة وزارة الخارجية الروسية، وليس أي نص مغاير. وفي كل الاحتمالات، فإن تفعيلهما، أو تفعيل أي منهما، يرتكز على عودته إلى أن يكون سندًا أساسيًا ومفتاحًا لعملية الانتقال السياسي المكونة من أربعة محاور (سلال) هي: هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، العملية الدستورية، العملية الانتخابية، ومن ثم محور الأمن ومكافحة الإرهاب ومن ضمنه الإفراج عن المعتقلين والمخطوفين وبيان مصير المفقودين والعودة الآمنة للمهجرين داخلًا وخارجًا، مع وقف الأعمال القتالية بين السوريين، وخروج كافة الميليشيات والمجموعات المسلحة التي دخلت البلاد”.

وختم العسراوي: “عندما تكون أستانا عملية سياسية جدية، فإن المفاوض السوري يحمل أهم سلاح يمكن للمفاوض حمله، وهو مطالب الشعب السوري المحقة في استعادة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ولن يموت حق يتابعه مطالب، هذا هو عامل القوة الذي كان يملكه شعبنا، عندما قرر انطلاق ثورته، وسيبقى على ذلك حتى يحقق آماله في وطن موحد -أرضًا وشعبًا- يسوده العدل والمساواة بدولة مستقلة مدنية ديمقراطية”.

من جانب آخر، رأى الكاتب السوري أيمن عبد النور في حديث إلى (جيرون) أن نتائج أستانا “تعكس قرارات قريبة مما يريده النظام السوري، وأيضًا مصالح الدول المشاركة وخصوصًا روسيا. والنقطة الجديدة أن روسيا تريد أن تجد مخرجًا جديًا للأزمة، يمكنها من أن ترتاح وأن تنجو من الغرق في مستنقع ما يجري في سورية، وليس بالضرورة أن يتطابق هذا مع ما تريده إيران والنظام السوري، وبعد أن أصبحت سورية جزءًا من الملف الإيراني -بالنسبة إلى الإدارة الأميركية- فإن الحسابات الروسية والتركية تغيرت عمّا كانت عليه في مرحلة أوباما، لذلك أتوقع تغييرًا في طريقة تعاطي الدول الضامنة في أستانا مع الحلول المقترحة؛ ما قد يعني أن تكون الحلول المتبناة أبعد مما يريده النظام السوري عما جرت عليه العادة سابقًا”.

ونبّه عبد النور إلى أن “المفاوض السوري ممثلًا بهيئة التفاوض يجب أن يحضر كتمثيل سياسي، ولكن يجب أن يطرح مواقف قابلة للتطبيق، وأن لا يتنازل عنها كي لا يفرط بحقوق مئات الألوف الذين استشهدوا. يجب أن يطور الوفد طريقة مقاربة لمختلف المواضيع، مختلفة عن السابق، لأن هناك ظروفًا وواقعًا دوليًا جديدًا، يمكنه من المناورة بشكل أفضل مما سبق”.

بينما حذّر عارف دليلة، الباحث والأستاذ الجامعي المعارض من مفاوضات أستانا، وقال: إن “فيها ألاعيب، وكان الهدف منها إضاعة ثماني سنوات في القتل والتدمير وتكريس الاحتلالات والتشظي والتقسيم، نتيجة التنكب عن مباشرة الإصلاحات المضادة للاستبداد والفساد، المستحقة منذ عقود حتى يكتمل ضياع سورية، شعبًا ودولةً ووطنًا، بعد إخراجها من التاريخ والجغرافيا على مدى نصف قرن”.

أما رضوان الأطرش، رئيس الهيئة السياسية السابق في إدلب، فقال لـ (جيرون): لم يعد خافيًا على الشعب السوري الحر حجم التآمر على قضيته وثورته المشروعة التي طالب من خلالها بحقه في حريته وكرامته، وهذه المطالب حق مشروع لجميع الشعوب. ومن فصول هذا التآمر مسارُ أستانا الذي بدأت أولى جولاته في كانون الأول/ ديسمبر 2017 كمسار عسكري، لدعم وقف إطلاق النار على أن يشمل كل سورية، بحضور 14 ممثلًا عن الفصائل العسكرية و21 مستشارًا لها، وبرئاسة محمد علوش ممثل (جيش الإسلام)، وتوالت الجولات تباعًا، وبدأت الثورة تخسر مناطق جغرافية متتالية، بعد كل جولة، وفي الحقيقة هذا المسار لم يخدم الثورة بل على العكس تمامًا، وكان مطبًا جديدًا وقعت فيه الثورة، وذلك من خلال تقسيم المسارات، حيث شاركت في هذه المسارات الفصائل فقط، مع تهميش واضح لهيئة التفاوض السورية التي شاركت في جنيف برعاية أممية، وغياب واضح للائتلاف الوطني، مع محاولات روسيا الحثيثة لإنجاح هذا المسار ودعمه، والكل يعلم أن روسيا هي الخصم والحكم، وهي من وقفت ضد حرية الشعب السوري سياسيًا، عبر بطاقات الفيتو المتكررة والآلة الحربية التي قتلت الشعب، ودمرت من البنى التحتية ما دمرت”.

ورأى أن “مسار أستانا لم يوجد إلا لسبب واحد، وهو إضعاف المسار السياسي المتمثل بجنيف، والقرار 2254 وخلق شرخ واضح بين المعارضة، وتجلى هذا الأمر تباعًا عبر عقد مؤتمر سوتشي، واعتباره مسارًا سياسيًا جديدًا، وإذا ما عدنا إلى الجولة الأخيرة من أستانا التي ركزت في جولتها على إدلب ودراسة ملف النازحين وملف السجناء والمغيبين، وأسقطناه على الواقع؛ وجدنا أن محصلة الجولة كانت صفرًا، وإضاعة للوقت مع استمرار النظام المجرم في حملات الاعتقالات في مناطق المصالحات، وعدم الكشف عن المغيبين في السجون، وازدياد أزمة النازحين سوءًا وآخرها أزمة مخيم الركبان”، وختم: “الغريب في الأمر هو استمرار المعارضة في هذا المسار، مع عدم امتلاكها نقاط قوة كانت تمتلكها سابقًا، على الرغم من النداءات المتكررة من الشارع الثوري بتجميد هذا المسار؛ لأن الصورة باتت واضحة لديه. إن ما نطلبه من وفد أستانا هو وقف هذا المسار، وعدم المشاركة في الجولة الجديدة حتى يتم تحقيق ما تم التوافق عليه سابقًا، وأهم بند هو إطلاق سراح كافة المعتقلين، وإيجاد حل للنازحين في الشتات والعودة للمسار السياسي في جنيف، مع تطبيق القرار 2254 الذي ترعاه الأمم المتحدة”.

في الموضوع ذاته، أكّد الكاتب والمعارض السوري أسامة المسالمة أن من يتابع يوميات الثورة السورية وخاصة جانبها السياسي “يُلاحظ أنه لم يبق للسوريين فيه شيء إلا الاسم، ويمكن ملاحظة أن النظام فقد جميع أوراقه السياسية لمصلحة إيران وروسيا والكيان الصهيوني، إضافة إلى من وراءهم كأميركا وحلفائها، وكذلك يمكن ملاحظة أن (المعارضة السياسية) قد انتهى دورها، منذ بدايات تشكيلها كدور وطني، ليصبح لها دور إقليمي ودولي يرتبط بأجندات ومصالح مالية لأحزابها وأفرادها، كذلك يمكن ملاحظة أن الدول الإقليمية وصاحبة النفوذ العالمي لا يهمها موضوع السوريين، الأرض والإنسان، إلا من خلال مصالحها الخاصة بحكوماتها وشعوبها”.

وختم بالقول: “إن اللعبة السياسية، سواء أكانت في جنيف أو في أستانا، لا علاقة للسوريين بها من قريب أو بعيد، وإنما هناك مصالح دولية وإقليمية ومناطق نفوذ عالمية، تلتقي وتتنافر حسب مصالحها الدولية، وأي حل في سورية هو حل لصراعات دولية تجري على الجغرافيا السورية، وسواء النظام أو ما يسمى المعارضة السورية دعوتهم وحضورهم لا تختلف عن دعوة وحضور من ينقل الحطب والماء على ظهره. وكونهم لا يملكون المشروعية الوطنية، سواء أحضروا أم لم يحضروا، فلا معنى لذلك، والاستفادة الوحيدة لحضورهم إقامتهم في الفنادق والعطاءات المادية لهم كأفراد وأحزاب، ليكونوا شهود زور على بيع الوطن ومقدراته وأموال ودماء الشعب الذي بذل الغالي والرخيص على مذبح الحرية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق