أدب وفنون

(جمهورية كأن) أحلام الشباب وبطش الطغاة

الثورة هي الحقيقة الوحيدة التي عاشها المصريون، تكتب أسماء من منفاها لحبيبها المعتقل، في الفصل ما قبل الأخير من رواية علاء الأسواني (جمهورية كأن)؛ الرواية التي تستحضر قصص المتظاهرين السلميين الحالمين بوطن حر وحياة كريمة، وهم يواجهون منظومة الاستبداد تعيد إنتاج نفسها، بوسائل وحشية وأشد بشاعة في القتل والتعذيب والتهجير القسري، مواجهة تحدث في القاهرة، لكنها تتقاطع مع كل أشكال العنف المفرط والمنهجي، التي مارستها الدكتاتوريات الحاكمة لإخماد ثورات “الربيع العربي”.

(جمهورية كأن) هي رواية شخصيات متخيلة، لكنها تتحرك وتتفاعل في سياق أحداث حقيقية، ترسم خلفية المشهد والمسار العام في بنية الحبكة السردية، حيث تشكل حادثة مقتل الشاب خالد سعيد، بأيدي رجال الأمن في الإسكندرية، أواسط عام 2010، حكاية ما قبل البداية، والمنطلق الذي يمهد لقيام ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتنحي حسني مبارك، ثم نقل السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وما تبع ذلك من وقائع طيلة عام 2011.

منذ الفصل الأول، يلاحظ القارئ الأسلوب الواقعي الرشيق والمشوّق الذي اعتمده المؤلف، وبراعته في بلورة الشخصيات وصقل ملامحها الذهنية والنفسية، وهي شخصيات كثيرة العدد، محورية وثانوية، تبعًا لأثرها في المتن الروائي، تنحدر من كافة أطياف المجتمع المصري وطوائفه وفئاته العمرية، وتمتد من أولئك الذين يمسكون بمفاصل الدولة ويتحكمون في صنع القرار، إلى أولئك الهامشيين الذين يقبعون في أسفل السلم الهرمي.

كل شخصية محورية تشكل محركًا أساسيًا في مسار البنية السردية، وتحتل فصلًا من فصول الرواية الثلاثة والسبعين، التي تسير وفق التسلسل الزمني المنطقي، وتعتمد تقنية القطع عند الحدث الأكثر إثارة. وتبدأ الفصول بإعطاء لمحة عامة عن الشخصيات، وعن ظروف نشأتها ومهنتها وشبكة علاقاتها الأسرية والاجتماعية التي تفرز الشخصيات الثانوية في الرواية، ثم تنتقل الفصول تباعًا، للغوص في سلوك الشخصيات وردات أفعالها إزاء شؤونها الخاصة والحدث العام، وهي -بحكم تنوعها- تتباين في موقفها من السلطة والثورة تبعًا لموقعها وخلفيتها الثقافية، وتستدعي الحوار التلقائي فيما بينها، حول علاقة الحاكم بالمحكوم، ومفاهيم المواطنة والمجتمع المدني وحرية التعبير.

تبدأ الرواية من مدير جهاز الأمن اللواء، الحاج أحمد علواني، الذي يفتتح يومه بالصلاة وتلاوة القرآن والإفطار ومشاهدة أحد أشرطة البورنو، ثم الجماع الحلال مع زوجته تهاني التي تدير جمعية خيرية للعناية بالطفولة المشردة. من بعدها يذهب إلى مقر الجهاز للإشراف على التعذيب وانتزاع الاعترافات من أولئك الذين عصوا وليّ الأمر، وما إن ينتهي عمله حتى يتفرغ لأداء واجباته الاجتماعية، من حضور المناسبات العامة وجلسات الدين وتوزيع الصدقات على المحتاجين، إلى تفقد أحوال أولاده: القاضي والضابط في الحرس الجمهوري، وابنته دانية الطالبة الجامعية التي يكنّ لها الكثير من الحب.

دورة يومية يؤديها علواني، وهو مطمئن ومقتنع بأنه يقوم بكامل فروض دينه، ولا يعصي ربه في أمر، ومرجعيته في ذلك هي فتاوى الشيخ شامل، صاحب قناة “الصراط” الذي يرى في الثورة مؤامرة ماسونية يدبرها اليهود، حتى يفتنوا المسلمين في دينهم، وينصح بتعدد الزوجات منعًا للحرام، وسترًا للمسلمات اللاتي فُرض عليهن الحجاب عند سن البلوغ، بخلاف ما يدعي العلمانيون، عملاء الصهيونية والغرب.

لا يتعكر صفو الحاج علواني، إلا حين يعلم من جواسيسه أن ابنته الأثيرة زارت بيت أم الشهيد خالد سعيد، ونشرت شريط مقتله على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي، وأنها تتأثر بأفكار خالد مدني، ابن السائق الفقير، وزميلها في كلية الطب، وحبيبها الذي سيسقط قتيلًا أمام عينيها برصاص الضابط هيثم عزت المليجي منذ بداية الثورة، وهذه المأساة ستفتح النقاش حول مفهوم العدل في الإسلام بين دانية التي تعتقد أن رجل الدين الذي يرى الظلم ويصمت، يشارك فيه، ووالدها الذي يعتقد بعقوبة التعزير، وحق الحاكم في أن يقدر الجريمة، ويقرر العقوبة وينفذها في المتهم.

في الفصل الثاني، ينتقل السارد العليم من الشخصية التي تمثل السلطة المستبدة إلى إحدى ضحاياها الصامتين، أشرف ويصا، الرجل الخمسيني الثري، والممثل الوسيم والموهوب الذي ارتضى بدور الكومبارس تجنبًا لفساد الوسط الفني، وعاش حياته معزولًا في بناية يملكها بميدان التحرير، مع زوجته المحاسبة ماجدة التي يعتبرها جلادته، ولا يستطيع أن يطلقها لأنه مسيحي، فأقام علاقة مع الخادمة إكرام، المرأة المسلمة، الفقيرة، الناعمة التي استطاعت، بحسها الأنثوي الفطري، أن تمنحه الحب والاطمئنان.

أشرف الكائن الهامشي الذي يخشى المواجهة ويلوذ بالحشيش، سوف يكسر حاجز الخوف، ما إن يشهد من على شرفته قتل المتظاهرين بالرصاص الحي، ثم تطرق بابه الناشطة الشابة أسماء لتختبئ في بيته من أعين رجال الأمن. سوف يلتحق بالحراك الثوري، ويفتح الدور الأول من بنايته لاجتماعات لجنة التنسيق، ويشارك في حملات الإغاثة والإعلام، ويشهر حبه لشريكته في الثورة، إكرام، أمام زوجته وولديه الموالين للنظام، متحديًا التقاليد البالية والنفاق الاجتماعي، ليغدو بذلك نموذجًا حيًا لتلك الانقلابات الجذرية التي أحدثتها الثورة في قلوب وعقول من آمن بها.

ينتقل السرد الروائي من تقنية الراوي العليم وضمير الغائب، إلى تقنية الرسائل وضمير المتكلم، لتنساب تفاصيل الحب بين عضوين في حركة “كفاية” وشريكين في الثورة: أسماء الشابة السافرة، التي تقاوم نظرة المجتمع الذكوري للأنثى بوصفها سلعة للإمتاع والإنجاب، وتحارب الفساد من خلال عملها كمدرسة تؤدي واجبها بتفانٍ، وترفض إعطاء الدروس الخصوصية، فتُحال إلى التحقيق. أسماء الثائرة التي كتبت لحبيبها: “لم أعد كما كنت قبل جمعة الغضب، مثلك أحس كأني عاهدت الشهداء”، تُعتقل وتُعذب ويُستباح جسدها وتهرب إلى لندن، كي تمضي ما تبقى من حياتها في بلد يمنحها الأمان وحقوقها كمواطنة، وتنصح مازن أن يلتحق بها.

والمهندس مازن، ابن المعتقل اليساري الذي رحل وهو يناضل من أجل التغيير، يعمل في مصنع “الشرق” للإسمنت، الذي اشترته شركة “بيلليني” الإيطاليّة، وهو مثل أبيه يدافع عن حقوق العمال، ويقود إضرابهم أثناء الثورة لنيّل حصتهم من الأرباح، وينتهي به المطاف وراء القضبان، لكنه لا يفقد الأمل، ويبقى مصممًا على مواصلة حراكه السلمي في بلده حتى يرى النصر.

يلفت الانتباه أن مدير مصنع “بيلليني”، عصام شعلان، هو الملحد الوحيد في سياق الرواية، وهو شيوعي سابق اعتُقل وعُذب، ثم هادن السلطة التي اغتصبته، لأنه فقد الأمل بالإصلاح. ما عداه فإن جميع الشخصيات الأخرى هي شخصيات مؤمنة، تستأنس بمرجعية دينية معترف بها، لتسويغ سلوكها ومواقفها، بصرف النظر عن كونها ثائرة أو صامتة أو ضالعة في تأييدها للنظام، كمحمد شنواني، رجل الأعمال الفاسد، الذي افتتح قناة خاصة بالتضليل الإعلامي ونشر نظرية المؤامرة، وزوجته نورهان المذيعة التلفزيونية التي جندت إمكاناتها لتشويه صورة الثورة، والنيل من سمعة المتظاهرين.

يقدم الأسواني صورة صادقة وجريئة عن أثر العامل الديني في التركيب النفسي والسلوك الاجتماعي للأفراد، وعن تناقض المرجعيات الدينية. فالدين -بوصفه قيمة روحية وأخلاقية- يغدو طاقة إيجابية لدى الشباب الثائر، تختلف جذريًا عن ظاهرة إلحاق رجال الدين والمؤسسة الدينية في منظومة الاستبداد، لإسباغ الشرعية على حكام ومسؤولين لم يستلموا مناصبهم عبر صناديق الاقتراع، وعلى أحكام وممارسات تتنافى مع حقوق الإنسان؛ ما يسفر حتمًا عن فشل السياسة وتشويه الدين، وفي هذا السياق يستحضر المؤلف العواقب الكارثية للاتفاق الضمني بين جماعة “الإخوان المسلمين” والمجلس الأعلى للقوات المسلحة في بداية الثورة.

يلجأ الأسواني إلى تقنية مزج السرد الروائي بالشهادات الموثقة، ويفرد الفصل الحادي والأربعين لشهادة سميرة إبراهيم ورشا عبد الرحمن وسلوى الحسيني جودة، الشابات اللاتي تعرضّن للضرب والصعق بالكهرباء وفحص كشف العذرية، بعد أن أُلقي القبض عليهنّ في اعتصام التاسع من مارس بميدان التحرير. كما يفرد الفصل الحادي والخمسين لشهادة لبنى درويش وبيشوي سعد ومحمد الزيات، حول مسيرة الشموع في التاسع من أكتوبر، التي انطلقت من حي شبرا باتجاه “ماسبيرو”، لتنظيم وقفة صامتة احتجاجًا على العنف ضد المتظاهرين، وعلى أحداث كنيسة ماريناب في أسوان. المسيرة التي جمعت حوالي خمسين ألفًا من المسيحيين والمسلمين، كان بينهم عدد كبير من الأطفال، وانتهت بالمدرعات المصفحة، وهي تلاحقهم وتدوس أجسادهم.

يتكاثر العنف وتتسع دوائره، لتنغلق فصول الرواية على مشهد اختطاف الضابط هيثم عزت المليجي، واغتياله من قبل عصابة استأجرها مدني ليأخذ بثأره من قاتل ابنه الذي برأته المحكمة من ارتكاب الجرم. تنتهي الرواية، وتستمر جرائم القمع والفساد، وستستمر إلى أن تسقط “جمهوريات كأن”، ويُقام على أنقاضها أنظمة ديمقراطية تحترم حقوق المواطنة والمواطنين.

* (جمهورية كأن): رواية في 510 صفحة قطع متوسط، المؤلف: علاء الأسواني، الناشر: دار الآداب، بيروت/ لبنان 2018.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق