تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

معتقلو سجن حماة.. مَن يُنقذهم من الموت!

“يا أحرار العالم كله، ليسمعْنا كل أحرار العالم، ولو مرة. إننا لم نذنب بحق الشعب السوري، بجميع أطيافه وجميع الملل الموجودة في سورية.. لم نؤذِ طفلًا أو عاملًا، لم نفعل أي شيء يوجب الحكم علينا بالإعدام. لماذا يجيء إلينا فراس دنيا (قاضي الفرد العسكري) ويطلب منا أن نذهب للمحكمة على كفالته؟! نحن نعرف إلى أين ذاهبون، إلى الإعدام..”.

(من رسالة معتقل من سجن حماة حُكم عليه بالإعدام مع أحدَ عشر معتقلًا)

بدأت القصة من تسجيل صوتي مهرّب من وراء القضبان، ومن خلف الجدران المعتمة وصقيع الزنازين، حيث وجّه أحد المعتقلين في سجن حماة رسالته إلى السوريين وإلى كل أحرار العالم، عن رحلة الإعدام التي ينوي النظام تنفيذها بحق المعتقلين هناك، ونقلهم إلى معتقل صيدنايا، المعروف بأنه المسلخ والفرن البشري. مناشدًا جميع الأحرار التدخل لإنقاذهم قبل فوات الأوان. ولكن القضية بدأت قبل هذا التاريخ، إذ أصمّ المجتمع الدولي أذنيه عن سماع صرخات المعتقلين السابقين، وأغلق عينيه عن صور جثثهم تحت التعذيب. فهل ستجدي حشرجة صوت المعتقل ونداؤه القوي الذي يقول لنا بوضوح: “نحن نخبركم برحلة موتنا التي بدأت، فماذا أنتم فاعلون؟” و”نحن -المعتقلين من أجل الحرية- نصرخ في وجوهكم، ونلعن الظلام والظالمين، فهل ستتحركون لإنقاذنا؟”.

سمع العالم صوت المعتقلين، وشاهد صورًا لهم بعد الموت وقبله، ورأى الأبطال السوريين الذين تحدّوا جلادهم بصرخات حرية، في كل الأمكنة التي تحوّلت إلى مراكز اعتقال، تُمارس فيها عمليات الاضطهاد ثم الإعدام وإخفاء الأثر، بالحرق والإذابة، ولكن هذا العالم لم يتحرك ولم يحرك ساكنًا، ولم يستطع أن يحمّل المجرم وزر الضحايا.

صوت المعتقل من سجن حماة قبل أيام يدعونا إلى نرفع أصواتنا بإعلان الوقوف والتضامن معهم اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبالعمل عبر مختلف الوسائل والأساليب، لإجبار المجتمع الدولي على ممارسة الضغط الحقيقي على الجزار لوقف مذبحته.

قضية المعتقلين في سجون النظام السوري، من أقصى شمال سورية إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، حيث تنتشر معتقلات للنظام وميليشياته التي افتتحت، لحسابها وحساب النظام، سجونًا خاصة تمارس فيها مختلف أنواع الجرائم، بقيَت معلقةً وغامضةً وعائمةً في كل الأحاديث السياسية والدبلوماسية التي تتناول الأوضاع في سورية، أو التي تشير إلى مستقبل البلاد ودستورها، وبقي الاقتراب من ملف المعتقلين ممنوعًا، وهو ملف مخيف ومرعب، بل مخجل ومخزٍ للضمير العالمي والإنساني، ولا يعفي التهرب منه ترجمة مضامين حقيقية، عن واقع مؤلم يئن تحته عشرات آلاف المعتقلين، ومئتا ألف مختفٍ لا يُعرف مصيرهم.

المجتمع الدولي كان أضعف من أن يضع حدًا لجرائم النظام، داخل المعتقلات وخارجها، على الرغم من كثرة الشواهد والشهود، والوثائق التي تدين الأسد أمام كل المحاكم المحلية والدولية المتصلة بميثاق جنيف الرابع، وعليه تأتي مناشدة المعتقلين من سجن حماة رسالة مكثفة، إلى المعتقلين الآخرين في السجون المعروفة الأرقام والأسماء، وتلك المجهولة التي أقامها النظام بعيدًا عن عيون المراقبة الدولية، تفيد أن الحلول التي يتم الحديث عنها، في أروقة الدبلوماسية الدولية مع موسكو وطهران وتل أبيب، بما يخص مستقبل النظام، تدور حول “خلل” يحول دون تقديم استعدادات نهائية، تُقدم للأطراف الثلاثة لحماية الأسد من جرائمه بحق المعتقلين.

عمومية تناول مصير المعتقلين، في بنود التفاوض من قبل المعارضة السورية، أو من قبل الأطراف المدعية دعمها للقضية السورية، سمحت للنظام وعصاباته التي تدير معتقلات لحساباتها، من (داعش) إلى (حزب الله)، باستخدام ورقة المعتقلين للابتزاز والمساومة لتحصيل تنازلات جوهرية، وهذا حدث في أكثر من منطقة، من خلال تجزئة قضية المعتقلين والمختطفين إلى درجات وفئات مذهبية وطائفية، بحسب الانتماءات الجغرافية، وقد استطاع النظام وحليفه الروسي أن يملي بعض الشروط على المفاوض السوري، للموافقة على شروط إذلالية.

الأهم من كل ما سبق أن جولات المفاوضات في سوتشي وأستانا، وما تلاها من نسخ، قطعت آخر خيط كان يربط قضية المعتقلين بالمفاوضين. الإهمال الدولي لقضيتهم ليس عفويًا، أو وليد اللحظة، إنه تتويج لسياق طويل من إهمال متراكم من حرق أجسادهم والتمثيل بها وبيع أعضائهم، إلى ممارسة أبشع الجرائم، من خلال تجارب الأسلحة المحرمة دوليًا على المعتقلين، حسب ما أثبت في أكثر من وثيقة وموقع ومناسبة، تحمل جميعها إدانة واسعة، للنظام وأركانه، بارتكاب جرائم الحرب وضد الإنسانية بحق المعتقلين.

ما سبق أيضًا يُشخص حالة المعتقلين في معتقلات النظام، والانتقال من موقع التبشير والتوصيف إلى موقع إسناد المعتقلين، باعتبار أن قضيتهم هي إحدى زوايا المربع الأول الذي يجسم قضية الحرية والكرامة. وإن المطالبة الجذرية، من قوى المعارضة وكل سوري حر، بأن تحتل قضية الأسرى والمعتقلين موقعها الملائم في عملية التحريض والإدانة ضد النظام وعصاباته، تبدأ بتوسيع النشاط الدبلوماسي لجعل قضية المعتقلين البند الأول، وبنقل صرختهم ومطالبتهم بالحرية، وذلك أضعف الإيمان، وبالعمل الجاد على هذه القضية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق