تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

رسائل روسية مشفرة في تجميد الوضع السوري

يبدو أن السياسة الروسبوتينة لم تعد تنقل رسائلها العلنية في المسألة السورية، كما كانت تفعل من قبلُ، بدءًا من سيل الفيتو الذي بلغ “الدزينة” في تعطيل أي جهد أممي للحل السوري، إلى رسائل وزير خارجيتها لافروف ذي الرحلات المكوكية، خاصة تلك التي كان يوجهها إلى وزير الخارجية الأميركي (سواء كان جون كيري السابق أم مايك بومبيو الحالي) وكان منها ما هو كارثي، وأسوأ تلك الرسائل رسالة بوتين في أواخر آب/ أغسطس 2015 حين استقدم عسكره وطيرانه إلى سورية، ومن يومها كانت رسائل الروس العلنية: “لا حل في سورية إلا الحل الذي تراه روسيا”.

الغريب في هذه الرسائل السياسة أنها لم تكن كلها علنية دومًا، فبين محطة وأخرى تتوارد رسائل مشفرة، وشيفرتها تبدو ليست صعبة الفك، لكنها تحتمل أوجهًا كما تحتمل الأفخاخ والألغام، والمثير للغرابة أيضًا أن تكون صحيفة (الديار) هي ناقلة تلك الشيفرة، وما زال الجميع يتذكر تلك الرسالة/ المقالة التي نشرتها الصحيفة، عقب لقاءات أستانا في ما سُمّي بخفض التصعيد مطلع عام 2017، وقبيل لقاء سوتشي في ما أسموه بالحل الوطني السوري، وقد نُقلت عن لسان بوتين كرسالة موجهة إلى النظام السوري، حسب ما ادعت الجريدة يومذاك. كانت أبرز عناوين تلك الرسالة التي نقلتها (الديار) أن على النظام السوري أن يتوقف عن متابعة المعارضة السورية، ويطلق أصحاب الرأي والضمير من معتقلاته (تلك كانت نصيحة بوتين بصفته ضابط استخبارات سابق) وأن عليه التوجه إلى الحل السوري الوطني، والكف عن ملاحقة معارضيه، ومما جاء في الرسالة أيضًا، أنه إذا طُلب من بوتين تدمير “الإرهابيين” في الغوطة؛ فسيأمر جنرالاته بملء سمائها طائرات حربية تقض مضجعهم، ليل نهار.

هذه الرسالة كانت في ظاهرها ترغيبًا بالحل السوري وموقعة سوتشي كبوابة لها، لكنها في باطنها تهديد ووعيد بحل الكارثة في الغوطة، ما لم تحضر المعارضة السورية في سوتشي، وحقيقة ما جرى أنها لم تحضر رسميًا، ولم تكد مفاعيل سوتشي تنتهي بمهزلة سياسية دولية (حيث تم رفضها كبديل عن جنيف وعن قرارات الأمم المتحدة فيه) حتى بدأت سماء الغوطة ومن بعدها درعا والقنيطرة تُحرث كما هدد بوتين. والمدهش في هذا أنه استثنى المعارضة السياسية من ملفات الحوار بشأن هذه المناطق، واكتفى بقادة الفصائل العسكرية حينذاك، في ما سمي بالمصالحة المشروطة أو التهجير.

اليوم، منذ أيام قليلة، تُطل (الديار) أيضًا لتنقل رسالة أخرى من بوتين، تصف بطريقة استعراضية كيف تعامل بوتين بطريقته الحاسمة مع اللقاء الرباعي الذي ضم أردوغان وميركل وكاميرون، وكيف أنه لم يسمح لهم حتى بالحديث، وكيف بلع الجميع لعابهم خوفًا من صراحته وحدّته! وإن كنّا لسنا بصدد هذا التوصيف من حيث صحته من عدمه، فيكفي أنه يخرج من موقع يوصف بتنفيذ وتلميع سياسات الإيرانيين والروس والنظام السوري أيضًا، لكن مضمون الرسالة كان في شأن إعادة الإعمار، وأن عدم مشاركة الأوروبيين فيه ستأتي على حساب الحل السوري، وسيكتفي بوتين وروسيا منفردين بإعادة الاعمار، ضمن مدة زمنية تصل إلى خمسة عشر عامًا!

في مضامين الرسالة فجوات في التشفير هذه المرة، وحكمًا هي لم توجه إلى الأوروبيين والأتراك ولا إلى الأميركيين، إنها موجهة إلى الشعب السوري وخاصة معارضته، ومضمونها إما أن تقبلوا بالحل الروسي مرة أخرى، أو سيعمل الروس على تجميد الوضع السياسي السوري على حاله، وإدخاله ثلاجة سيبيريا لأعوام قادمة، فهل يستطع بوتين فعل هذا؟

السعي الروسي الحثيث لجعل كامل ملف الحل السوري روسي الوجهة لم يتوقف، سواء بترتيبه موضوعات أستانا وخفض التصعيد مع شركاء وخصوم السوريين الترك والإيرانيين، أو بسلسلة عملياته العسكرية المتنقلة من منطقة إلى منطقة، وما يتبعها من صيغ سياسية تناور على المسألة الدولية، ولسان بوتين يردد: ليفهم العالم أن روسيا قوة عظمى اليوم، وتقف على بوابة البحر المتوسط، وعلى منابع الغاز الكبير فيها، ولن يُشاركها أحد إلا في ما يخدم مصلحتها، ولتتفهم أوروبا هذا والمعارضة السورية أيضًا، وبالنتيجة لا حلّ سوريًا أبدًا، ما لم يدخل الجميع من البوابة الروسية، ويرضخوا لفعلها الدولي السياسي بالضرورة!

أما في ترتيب البيت الداخلي السوري، فلم تكفّ روسيا مرة عن التهديد بأسلحتها النووية، ومرة بالعابرة، ودائمًا بالتدخل المباشر في صفقات ما يسمى بالمصالحة الداخلية وتهجير المدن السورية عامة، وضمن هذا السياق تأتي رسالة أخرى على لسان شارل أيوب، ولكنها هذه المرة تجاه منطقة السويداء في جنوب سورية، خاصة المتعلقة بملف مختطفيها لدى (داعش) منذ 25/ 7 الفائت. تنقل الصحيفة هذه المرة رسالة عنوانها (عملية عين الصقر) كترتيب بين روسيا ووليد جنبلاط (عبر ابنه تيمور)، زعيم اللقاء الديمقراطي، بوصف مسرحية تحرير المختطفات من أيدي (داعش)، التي طلب الجميع أن تبقى طيّ الكتمان والسرية المطلقة! ومفادها صفقة توافق عليها روسيا بتحريرهم، مقابل أن يمتلك جنبلاط ورقة يناور بها في تشكيل الحكومة اللبنانية المجمد إلى الآن! والغريب في الأمر ما هي مصلحة روسيا في تشكيل الحكومة اللبنانية، وماذا قدم جنبلاط مقابل هذا؟ حيث لا يستوي الفهم السياسي لذلك وفق قاعدة المصالح المتبادلة، ولماذا يتم فضح عملية سرية كهذي بسرعة؟

من غير الممكن الحُكم على كيفية الإفراج عن المختطفات من أبناء السويداء إلا بكشف الأوراق الاستخبارتية كاملة، ولكن الرسالة هذه المرة كانت تنكر أن للجيش السوري يدًا بالعملية، حسب ما يزعم إعلامه الرسمي، وذلك نقلًا عن (الديار) الموالية له، وعن لسان الروس الراعي الرسمي لكل عملياته العسكرية. إذًا ثمة رسالة على اللبنانيين، وخاصة وليد جنبلاط، فكّ رموزها، بأن روسيا ترغب في استدراجهم أيضًا إلى بوابة الحل الروسي، وإعلاء أسهمهم السياسية في لبنان، وليس هذا فقط، بل إن الدروز بشكل خاص موضع اهتمام روسي، وعليهم أيضًا البحث في كيفية المشاركة معهم في النموذج الروسي القادم لسورية، خاصة ذلك المتعلق بتشكيل قوات روسية بقوام سوري محلي، وبأن أبناء السويداء الـ 50 ألفًا هم المستهدفون أولًا بهذا.

حتى اليوم، ليس لروسيا مصلحة بكامل الجغرافية السورية كما تدّعي، وعلى ذلك فهي تعمل على مخططات متوازية في ترتيب البيت الداخلي، حيث يتباين بين العنف المفرط والهمجي في مناطق، وبين السلاسة والمداهنة في مناطق أخرى، وهي بالتالي تحاول تثبيت وجودها السياسي في سورية، بعدما ثبتته جزئيًا بشكل عسكري فيها، وهي تدرك تمامًا أنها غير قادرة منفردة على تقديم حلول كاملة في موضوعات الاستقرار والأمن وعجلة الاقتصاد؛ ما لم تضمن لها شركاء محليين ودوليين في ذلك؛ ما يعني أن الروس اليوم جاهزون لعقد صفقات كبرى تتعلق بالملف السوري، بخلاف همّ السوريين ومشروعهم الوطني ودولتهم الوطنية فهو آخر همّ الروس. وهذا يعني بالضرورة البحث في كيفية كبح تغولهم في المسألة السورية، والبحث في حلول سياسية تقلص وتحُد من استفرادهم بالملفات السورية، وهذا ما يجب على الوطنية السورية فعله وتناوله، شأنًا وتفصيلًا، وإيجاد بوابات الاتفاق المشترك مع المتضررين من هذا الفعل الروسي، وبخاصة الأوروبيين، وإلا تمكنت روسيا رويدًا رويدًا من امتلاك مفاتيح الحلول السورية كاملة، بعدما جمدت كل حلولها الدولية الممكنة خاصة (جنيف 1).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق