هموم ثقافية

حفل العربدة الدائم ملاذًا

“الوسيلة الوحيدة لتحمّل الوجود هي أن ينهمك المرء في الأدب كليًا، كما ينهمك في حفل عربدة دائم”. ستكون الكلمات الثلاث الأخيرة، في هذه الجملة التي كتبها الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير في واحدة من رسائله عام 1858، عنوانًا استعاره روائيٌّ آخر في كتابٍ سيصدره بعد أكثر من نيف وقرن، على ما كتبه فلوبير في هذه الرسالة الخاصة التي ستجد طريقها، هي الأخرى، للنشر بعد وفاته. كان الكتاب، في الواقع، بمثابة ثناء على مُبدع مدام بوفاري، عبر تأملات في رواية، كانت في نظره، هي الرواية بامتياز، وكانت بطلتها قد صارت، منذ لقائه الأول بها، حبيبته الأولى.

ثمينة في الواقع هي التأملات التي قام بها عدد من كبار الروائيين الغربيين، الحديثين والمعاصرين، حول فن الرواية الذي كان خيار الكتابة الذي فرض نفسه عليهم في لحظة ما من سنوات تفتح وعيهم على العالم والتخييل، وعلى الكتابة من ثمَّ، بوصفها بابًا ينفتح على عوالم موازية للعالم الواقعي لا حدود لها. تأملات تكاد تؤلف في معظمها سِيَرًا أو اعترافات أدبية، تكشف عن ميول كاتبها نحو هذا النوع من الرواية أو ذاك، وعن أسلافه من الروائيين الذين كانوا أساتذته في هذا الفن على غير علم منهم، وعن معاصريه ممن يتابع ما يكتبونه ويتابعون ما يكتبه، نقدًا تارة، وإعجابًا غالبًا. ولنا في بروست في بداية القرن الماضي، أو في كونديرا في نصفه الثاني، مثالان بليغان في هذا المجال. لنا أيضًا في ماريو فارغاس يوسا، أحد كبار وأهمّ روائيي أميركا اللاتينية المعاصرين، مثالٌ آخر لا يقل بلاغة عن سابقيه، وربما لا يختلف عنهم إلا بتفصيل دقيق ثريّ في معانيه وفي دلالاته، يتمثل في أن هواه الروائي قد بدأ في التأجج، على وجه الدقة وبصورة حاسمة، حين كان في الثالثة والعشرين من عمره، أثناء قراءته للمرة الأولى، بباريس، رواية غوستاف فلوبير: (مدام بوفاري)، في طبعة شعبية. كان قد رآها فيلمًا في بلده: بيرو، في التاسعة عشر من عمره، لكن الفيلم لم يشجعه على قراءتها، ثم أتيحت له فرصة أن يسمع حولها عام 1958، نتفًا من محاضرة في احتفال أكاديمي، بمناسبة مرور مئة عام على كتابة الرواية، قاطعها مناضلون جزائريون، بهتافاتهم من أجل حرية الجزائر -يومئذ- ضد السفير الفرنسي الذي كان حاضرًا ذلك الاحتفال.

يروي يوسا أنه، بعد شرائه الرواية في طبعتها الشعبية، عاد إلى غرفته في فندق متواضع في الحي اللاتيني، وطفق يقرأ فيها دون توقف حتى فجر اليوم التالي، حين خلد إلى النوم مرهقًا، كي يستيقظ بعد ساعات ويتناول الرواية من جديد لمتابعة قراءتها. لكنه كان، وهو يتناول الكتاب، يشعر، على غير انتظار، باستحواذ يقينيْن على كيانه، سيؤكدهما من بعدُ في الأربعين من عمره: “كنتُ أعرف، من الآن فصاعدًا، أيُّ كاتبٍ وددتُ أن أكونه، وعرفت أنني سأعيش، منذئذ حتى موتي، عاشقًا لإيما بوفاري، وأنها ستكون في المستقبل بالنسبة إلي […] عشيقة كل الروايات، وأنها، هي، بطلة كل المسرحيات المأسوية، وموجة مجلدات الشعر جميعًا”.

ما الذي جعل مدام بوفاري تحرك لدى ماريو فارغاس يوسا طبقات على هذا القدر من العمق في كيانه، وما الذي حملته له مما لم تستطع روايات أخرى أن تقدمه له؟ إذ ها هو، بعد قراءته لها للمرة الأولى، يعيد قراءتها من أولها إلى آخرها نصف دزينة من المرّات، ويقرأ فصولًا منها أو مقاطع فيها منفصلة في مناسبات كثيرة، مرات ومراتٍ أيضًا، دون أن يخيب ظنه في الرواية، كما كتب، على عكس ما كان يحدث له كلما كان يعيد قراءة روايات أخرى كانت عزيزة عليه. كان يكتشف في كل قراءة، كلية أو جزئية، “جوانبَ سرية، أو تفاصيل غير مسبوقة”.

يدرك يوسا أن لديه من الأسباب اثنين حملاه خصوصًا على هذا الإعجاب غير المشروط. أولهما أنه اكتشف بفضل هذه الرواية ميله في المبدعات الفنية -أيًا كان مجالها- إلى ما يجده فيها من بناء شُيِّدَ وفق نظام صارم ومتناسق، مع بداية ونهاية؛ بناء يجعل من الرواية تنغلق على نفسها وتعطي الانطباع بعمل كامل منجز. صحيح أن العمل الفني المنفتح يبدو أقرب إلى الواقع، بما يوحي به من إمكانات واحتمالات، لكن يوسا يرى أن العمل الفني المقتطف من واقع يضعه الكاتب ضمن بنية جريئة وتعسفية لكنها مقنعة، هو ما يعطي الانطباع بالهيمنة على الواقع وبتلخيص الحياة من خلالها. وثاني هذه الأسباب أنه، بين وصف الحياة الموضوعي والذاتي، والفعل والتأمل، يفضل الأول على الثاني؛ إذ إن “المهارة الكبرى تكمن في وصف الثاني عبر وصف الأول بدلًا من العكس”. كان فلوبير مقتنعًا أنه، وهو يكتب رواية مدام بوفاري، إنما كان يكتب رواية أفكار لا رواية أحداث. ذلك ما حمل البعض على اعتبار الرواية خالية من كل حدث باستثناء الأسلوب! لكن أحداث الرواية كما يشير يوسا كثيرة: ففيها الزواج، والزنا، والحفلات، والرحلات، والنزهات، والاحتيالات، والأمراض، والمشاهد المسرحية، والانتحار. لا شك أنها مغامرات تعتبر عادية بصورة عامة، لكن روايتها التي كانت انطلاقًا من الانفعالات بها أو من ذكريات أبطال الرواية، بأسلوب فلوبير المادي إلى درجة الهوس، أضفت على الواقع الذاتي كثافة وثقلًا ماديًّا جعله شبيهًا بالواقع الموضوعي. هكذا صارت الأفكار والمشاعر في مدام بوفاري وقائع يمكن أن ترى، بل أن تُلمس تقريبًا.

لم يكن اكتشاف ماريو فارغاس يوسا لرواية مدام بوفاري ولكاتبها غوستاف فلوبير إذن، حدثًا طارئًا في حياته؛ إذ يكاد يكون حاضرًا، بصورة أو بأخرى، في كل ما كتبه من روايات. أما الكتاب الذي وضعه في الأربعين من عمره، واستعار له عنوانًا من رسالة كتبها فلوبير عام 1858: حفل العربدة الدائم (L’Orgieperpetuelle)، فهو يتجاوز مجرد الثناء على الرواية وعلى الروائي، كي يقدم رؤيته النقدية في هذه الرواية/ الحدث الذي سكنه. يلخص ماريو فارغاس يوسا، في المقطع الذي يفتتح به مقدمة وجيزة لكتابه: “هناك من جهة، الانطباع الذي تتركه إيما بوفاري لدى القارئ الذي يقترب منها للمرة الأولى (أو الثانية أو العاشرة): التعاطف، اللامبالاة، السأم. وهناك، من جهة أخرى، ماهية الرواية في ذاتها خارج اِلأثر الذي تحدثه قراءتها: القصة التي تؤلفها، والمصادر التي تستخدمها، والطريقة التي تجعل بها من نفسها زمنًا وأسلوبًا. وأخيرًا، ما تعنيه الرواية، لا بالنسبة إلى من يقرؤونها، ولا بوصفها شيئًا مستقلًا بذاته، بل من وجهة نظر الروايات التي كُتِبَت قبلها أو بعدها”، وكما يكتب هو نفسه، خيارات ثلاثة في مقاربة الفن الروائي، يؤلف كلٌّ منها شكلًا من أشكال النقد التي عرفتها الثقافة الغربية: “الأول فردي وذاتي، ساد في الماضي وأطلق عليه أنصاره النقد الكلاسيكي؛ والثاني، حديث، يزعم كونه علميًّا، يقوم على تحليل المبدع بطريقة موضوعية حسب قواعد عامة، وإن كانت هذه القواعد تتنوع حسب ضروب النقد (تحليل نفسي، ماركسي، أسلوبي، بنيوي.. إلخ)، والثالث، يتعلق بتاريخ الأدب أكثر مما يتعلق بالنقد بصورة دقيقة.

حول فلوبير ومدام بوفاري، يقيم ماريو فارغاس يوسا إذن حفل العربدة الدائم هذا على شرف رواية وروائي، معتمدًا في ذلك هذه المنظورات الثلاثة، ومُحاولًا التعبير عن إعجابه الكامل ما دامت هذه الرواية قد استجابت لمزاجه ولعقله في آن واحد معًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق