اقتصادسلايدر

الذين اختطفوا الاقتصاد السوري هل يعيدون التجربة!

وفق ما يتسرب من تلميحات، يعود مستقبل سورية مرة أخرى إلى مركز الصدارة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن لنظام سياسي قروسطي، هش، بلا تقاليد ديمقراطية (لو مكّنه الفاعلون الأساسيون على الأرض من إعادة إنتاج نفسه) أن يسمح لمواطنيه بمساءلته ضمن جو آمن، خال من البطش والقمع والإرهاب، ومحاسبته على اختطاف الاقتصاد، واتباع نهج يفتقر إلى المساواة والتوزيع العادل للثروة، زبائني، لم تستفد منه غير القلة؟ وهل يستطيع قيادةَ عملية نمو، غير إقصائية، قائمة على اعتبارات تمنح المجتمعات المحلية سلطة السيطرة على قرارات التخطيط، وموارد الاستثمار الخاصة بمشاريعها، وبناء ثقة متبادلة.

دعونا نبدأ من حيث انتهى السؤال، وننظر أولًا في عامل الثقة، العامل الحاسم على هذا الصعيد. يؤكد خبراء الأزمات والكوارث، في المنظمات التابعة للأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، أن فاتورة الخسائر غير المرئية في سورية (مثل تحطم الثقة المجتمعية، وانفراط  عقد الشبكات الاجتماعية) يمكن أن تفوق الخسائر المرئية، التي مُنيت البلاد بها من أجل بقاء الأسد في الحكم، بعدة أضعاف.

ومن الواضح أن الثقة التي اهتزت على مراحل، وجرى تدميرها عشية تدفق الدماء في شوارع المدن الثائرة، على نحو نهائي. تشبه كأس زجاج مكسور، ليس بمقدور أحد أن يعيده سيرته الأولى؛ لأن الثقة وفق حسابات البنك الدولي “تأتي ببطء، كشخص يسير في رحلة مضنية عبر الصحراء، لكنها تزول سريعًا، كحصان يعدو بعيدًا، وبالمثل، فإن الشرعية تستغرق وقتًا وجهدًا لبنائها، لكنها هشة، فزوال الشرعية عن الدولة يمكن أن يحدث بسرعة شديدة الفعل”.

يعتقد أنصار الأسد، الذين يوصون بمصافحته والتعاون مع حكومته بقوة، أن النظام أمام اختبار آخر، بشأن إعادة الاعتبار لهذه الثقة. فبعضهم ما زال يشكو من عدم امتلاكه استراتيجية مقنعة، لليوم التالي، تتضمن مشروعًا متكاملًا (سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا) يرمم ما تعرضت له البلاد من خراب مادي وإنساني. فيما يلوذ آخرون بالصمت إزاء قضايا حاضرة، مُلحّة، ذات حساسية، كالنهب الذي تتعرض له موارد الاقتصاد، والثروات الفاحشة التي يكدسها رجال الرئيس، والشبكة الزبائنية التي تحيط بهم، بمشاركة النخبة الثرية التي استفادت مما منح لها من امتيازات عديدة.

إن تناول هذه القضايا يشكل اليوم أبرز الأنشطة الخطرة التي تُعرض الأفراد للمساءلة أو المحاكمة، وفق مواد قانونٍ يمنح المؤسسة الأمنية صلاحية توقيف كل صاحب رأي، وسجنه لسنوات، تحت ذرائع واتهامات مختلفة.

وكما يبدو، فقد نجح النظام البوليسي في مهمته القمعية، وبقي ينظر إلى الاختلاف في الرأي، على أنه تهديد محتمل للنظام ومؤسسته. ومن الصعب في أجواء يسودها الخوف والرعب، أن تتوصل إلى وقائع ثابتة، تعكس نظرة الرأي العام إلى أي قضية من هذا القبيل. صحيفة حكومية أبدت استغرابها من انكماش النخبة، وسلبيتهم، في ظرف يتطلب من المنضوين تحت جناح الأسد، كما تقول، تقييم أداء مؤسساته، ولو بالحد المسموح به. وحين طرحت سؤالًا تقليديًا يتعلق بأداء الحكومة، اكتشفت أن قلة من المشاركين (كانت لديهم الشجاعة في إبداء وجهات نظرهم، بينما اعتذر الأكثرية وتهربوا من الإجابة: تشرين 29/ 7/ 2018).

بالنسبة إلى السوريين، الذين كانت انتفاضتهم مدفوعة إلى حد كبير بالرغبة في الحرية والمشاركة السياسية واحترام حقوق الإنسان وعدالة توزيع الثروة، لا يمكنهم اعتماد التكهنات كمقياس في مثل هذه القضايا؛ لأن الأمور تسير نحو الأسوأ بشكل واضح.

إن شكوكهم العميقة، حول إحداث تحول -على الرغم من الخسائر الفادحة التي دفعوها- لا تقتصر على الجانب السياسي، الذي يرتبط بالمشاركة الفعالة في إدارة شؤون البلاد، وتداول السلطة، فقط، بل تنسحب أيضًا على الاقتصاد. ويقتنع الجميع -إلى حد ما- بعدم وجود رغبة لدى الزبائنية في أن تغادر خشبة المسرح، أو أن تتخلى عن منافعها. وقد كشفت تجارب الماضي أن أيًا من الوعود أو الإصلاحات التي طُرحت، لم تتحقق. وأن الإنجاز الوحيد الذي تأثر الجميع بنتائجه هو إفقار الشعب وتجويعه، وخفض رعاية الدولة، وتقليص الخدمات الاجتماعية التي كان من المفترض أن تنمو.

لنفترض -وإن من باب الجدل- أنّ ما يحلو لأنصار الأسد أن يسموه بالنمو، قد حقق خلال السنوات 2010/2000، نسبة جيدة. فأين ذهبت ارتداداته؟ وماذا كسب منه المواطن طوال تلك الفترة؟ يعتقد ستیفن ستار، في (ذا أراب ويكلي 29/ 7/ 2018) أن الاضمحلال الذي شھدته سوریة، طوال السنوات الأربعین من حكم حافظ الأسد، قد عاد الآن. وكي تقرأ سوریة 2020 یجب أن تقرأ سوریة 1970، وسوف یرتجف أي شخص عاش خلال تلك الأیام، من فكرة أن مستقبل سوریة سیبدو على ذلك النحو مرة أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق