سلايدرقضايا المجتمع

“السماح” بالعودة إلى مخيم اليرموك.. الطريق المسدود

تناوب مسؤولون من الفصائل الفلسطينية والنظام السوري، في الأيام الأخيرة، على إطلاق تصريحات، عن قرب عودة أهالي مخيم اليرموك إلى منازلهم. فيصل المقداد (نائب وزير خارجية النظام) قال إن بلاده “ستسمح بعودة سكان المخيم”، ومن ثم أَخَذ البعض ترويج رواية “العودة القريبة”، حتى باتت الصورة تشي بكمّ الانحدار، بعد اجتماع قادة الفصائل لتكريم سفير بوتين في دمشق، أليكسندر كينشاك، وقدّموا له درعًا، تكريمًا لجهود بلاده في قصف “الإرهابيين” في مخيم اليرموك وعموم سورية.

العودة إلى المخيم تشبه عودة أي لاجئ سوري، من كل المخيمات ومناطق النزوح، إلى كل المدن والقرى والأحياء التي هُجر منها، وبين الشبهين تكمن الخديعة، والأكاذيب لا التي يخرجها النظام من جعبته المهترئة فقط، ويسوقها له المحتل الروسي، بل التي يحملها من ظنّ أنه يرث حركة تحرر وطني عملاقة بحجم وطن، لكنه يتقزم ويتأرنب أمام سفاح شعبه، ليتحدث عن بطولات محتل روسي دكت طائراته أحياء اليرموك، وأحرقت كواشين ديار اللاجئين، بعد سبعين عامًا من حفظها وحمايتها، صهرت قذائف النظام الروسية والإيرانية أيضًا مفاتيح البيوت الرمزية، لم يبق من رمزية اللاجئ إلا ما يتناوب على ذكره أدعياء الثورية والوطنية.

تستوقفنا عبارة “سمحت السلطات” من دون الاعتراف بأنها هي من منعت وحاصرت وعطشت وجوعت ودمرت وعفشت تاريخ البشر، كان تأكيد التدمير والتعفيش لشعار القضية الفلسطينية كافيًا لإسقاط أوهام المتاجرين بها، لكنها حاجة النظام وحاجة من سقطت حالته على أعتاب المخيمات في سورية، وعلى أسوار الزنازين التي سلخت أجساد الفلسطينيين، ولم تبق من رواية فلسطين سوى فرعها للعار والذل في دمشق، يقول أصحاب رواية النظام وترويجها من الفرع الفلسطيني للفصائل في دمشق: إن “قرار عودة اللاجئين لقطع قرار شطب العودة”! لم نقرأ خلال السنوات السبعة الماضية فجورًا أكثر من هذا.

بالأرقام، لم يبق سوى 25 بالمئة من منازل المخيم صالحة للسكن نظريًا، وتلك المتبقية هي هياكل بفعل التعفيش والسرقة التي قام بها ضباط الأسد وجنوده، أضف إلى ذلك تدمير البنية التحتية، وتهجير معظم السكان، ولجوء نصف سكانه إلى دول مختلفة، مع مصير مجهول لآلاف المعتقلين والمعتقلات. تُظهر تلك المعطيات أن الحاجة إلى الاستدارة مجددًا، نحو شعارات الاتجار بقضية فلسطين، هي حاجة متبادلة للمتهالكين والمفلسين فصائليًا وأسديًا.

عودة من تبقى ستكون مطية للنظام، يلوك بهم شعاراته، علّها تساعده في التستر مجددًا على جرائم أعلى وأضخم. لكنها الأوهام تبقى تحتل مساحة أكبر في عقل الطاغية ومريديه؛ لكونهم ينتمون إلى نفس المركب والمصير الواحد الذي هز وجودهم.

ما حصل في اليرموك حصل في كل بقعة سورية، اهتزت أركان النظام وتهاوت أصنام الأسدين فيها، هل سيعيد الأسد الاعتراف بمصير الشهداء: حسان حسان، وخالد بكرواي، وهايل حميد، ونزار حمارنة وآلاف الشباب الذين سلخهم في “فرع فلسطين”؟ وهل سيعترف بمصير الأطباء والمهندسين والمحامين والطلبة والعمال؟

هل سأل أرانبُ المزرعة الفلسطينية، عن مصير سكان المخيم، باعتبار أن معظمهم من سكان المزرعة وحي المزة؟ بالتأكيد: لا. ولن يجرؤوا، أما إطلاق شعارات السماح بالعودة للمخيم أو عودة السوريين من مخيمات النزوح، إذا كان لها من جدوى، فإنها تتأتى من كونها أضحت شعارات لا يفتش فيها، ولا يردّ عليها، مَن كان شريكًا في المجزرة وفي الخذلان وطمس الحقائق، وهنا يكمن المأزق، ويبدأ الطريق المسدود بالترويج أيضًا لعبارات عودة البشر، من “ضيق دفع الإيجارات” وغيرها، وكأن البشر تقف على معلف طعامها، ولم تكن في سجل الأدبيات الثورية لحركة تحرر “شعب عظيم وتضحيات أعظم”. عندما تنتهي تضحيات المناضلين وتاريخهم إلى تمجيد جلاد شعبهم والتملق إلى سفاحهم؛ فهذا يؤكد أن حقيقة العودة التي يهتف لها عبيد الأسد وتجار المقاومة هي في طريق مسدود.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق