مقالات الرأي

حصار إيران سياسة تفاوضية أم استراتيجية متكاملة

مع تجنّب واشنطن التورّط العسكري المباشر، في منطقة غير مستقرة ولا تحتمل حروبًا جديدة؛ تبلورت لدى الإدارة الأميركية توجّهات مختلفة بالنسبة إلى ردع إيران، باعتبارها أكبر قوّة داعمة للإرهاب، بسبب أنشطتها في المنطقة ودعمها لميليشيات وتنظيمات إرهابية سنيّة وشيعيّة على حد سواء، وذلك باستخدام حرب من نوع مختلف، يتم فيها استغلال نقاط الضعف وتحويلها إلى فرص لبناء استراتيجية بعيدة المدى، تمهّد الطريق لتطويع إيران وقبولها بالشروط الأميركية المتمثلة بقائمة من 12 مطلبًا، وضعتها الولايات المتحدة أمام الحكومة الإيرانية كشرط لتطبيع العلاقات، ولتضييق قاعدة نشاطاتها ومنعها من توسيع نفوذها الإقليمي والدولي.

عقب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، في 8‏ أيار/ مايو 2018؛ بدأت واشنطن فرض الحصار الاقتصادي، وتطبيق سلسلة من العقوبات طالت معظم مفاصل الدولة الإيرانية، كما أعطت الضوء الأخضر لـ “إسرائيل” لاستهدافها عسكريًا، في إطار سياسة الحرب بالوكالة القائمة في سورية، بهدف الحدّ من نفوذها العسكري في منطقة تجاور “إسرائيل”، وأضيفت إلى تلك العقوبات الاقتصادية جملةٌ أخرى من التدابير، تستهدف أذرع إيران في المنطقة، خصوصًا “حزب الله” بهدف إضعاف بنيته التحتية وكفّ يده عن العبث بالوضع اللبناني والسوري وغيره.

المسار الذي اتخذته واشنطن بين الدبلوماسية والحرب، لمواجهة إيران وأذرعها في المنطقة، ترافق مع إعلان الرئيس الأميركي من على منصة الأمم المتحدة تشكيل ما يسمى “التحالف الاستراتيجي العربي لاستعادة أمن المنطقة”، هذا التحالف الذي يضم كلًا من الولايات المتحدة الأميركية ومصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي وفي مقدمتها السعودية (وقد اعتُبرت قطر ضمنه رغم الخلافات) يهدف أولًا وأخيرًا إلى تقليل أخطار الخصم الإيراني، وتغيير سلوك نظام إيران عن طريق إحكام الضغط الاقتصادي، من خلال العمل على مراقبة هذا النظام من منظور أكثر واقعية، لا يقف على الاتفاق النووي بل يصل إلى كل أنشطته المزعزعة للاستقرار في العالم أجمع، كما وصفته المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر ناورت، في أيار/ مايو الماضي.

استراتيجية الحصار وتضييق الخناق على إيران، بحسب التصوّرات الأميركية، ستضع النظام الإيراني أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تخفيف سطوة الملالي على القرار السياسي والاقتصادي، وحشرهم في “قم” كمرجعية دينية، وكف يدهم عن استعمال الدين لخدمة الاستراتيجية، عبر تحريض المد الطائفي لخدمة مصالحها القومية تحت شعار “تصدير الثورة الإسلامية” وتحويل الاستراتيجية في خدمة الدين، وإما مواجهة مصير كوريا الشمالية، في الوقت الذي لا تحتمل فيه إيران هذا الحصار وتبعاته مع الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية التي بدأت ترتفع حدتها منذ أواخر 2017، نتيجة الأزمات التي يعيشها شعبها من فقر وبطالة وفساد، مع جملة إحباطات جلبتها لهم المؤسسة الدينية المهيمنة، وألهبت نوازع حركية عالية لمواجهة الملالي، قد تصل إلى حدّ تغيير النظام والحكومة في إيران من الداخل دون تدخّل خارجي، ففي إيران طيف واسع ممن باتوا توّاقين لإيران قبل ثورتها. ولكن هذه التصوّرات الأميركية، لإعادة إيران إلى بيت الطاعة وتنفيذ الشروط الأميركية المطلوبة وكفّ يدها عن العبث في بلدان المنطقة، تبدو مبالغًا فيها من وجهة نظر إيران، ولن تكون بتلك السهولة أو السرعة المتوقعة، مع حالة النكران التي تمارسها إيران المتمثلة بردات أفعال وتصريحات مسؤوليها الأخيرة التي تحاول تقليل المخاطر من العقوبات، وإن أثرها سيكون ضئيلًا على الاقتصاد الإيراني.

من دون شك، إن حصر إيران في عنق الزجاجة، ومفاقمة أزمتها الاقتصادية وإثارة تصدّعها الداخلي، سيفرض تحولات كثيرة في المشهد الإيراني، وسيدفعها إلى إعادة حساباتها العسيرة في المنطقة ويخفف من مكاسبها، إلا أنه لن يشكل رادعًا قويًا لتغيير أهدافها، فهي ما زالت قادرة على المراوغة حتى الرمق الأخير، ومثلما استغلّت كافة الأخطاء الأميركية في حرب العراق الفاشلة، وتدميرها حالة التوازن السائدة التي أدخلت الإقليم في مرحلة إعادة التشكيل، استغلت خوف واشنطن من تكرار تجربة العراق في سورية لزيادة سيطرتها ونفوذها وخلق فضاء جيوسياسي من طهران إلى بغداد، فدمشق، وصولًا إلى بيروت، وتدخلت لمساعدة النظام السوري، تحت ستار حماية أمنها من الإرهاب، بالرغم من حالة الركود الاقتصادي والعقوبات الدولية، التي فُرضت عليها في ذلك الحين واستمرت حتى توقيع الاتفاق النووي مع الرئيس أوباما، والأهم لا يمكن تجاهل ما كسبته إيران من تمدّدها في العراق وسورية، خلال المدة الماضية، وما أحدثته من انقسامات طائفية وسياسية، على مستوى المنطقة العربية المتشرذمة أساسًا، ووظّف لها النظام في إيران إمكانات مادية وثقافية وإعلامية وسياسية كبيرة لمصلحة مشروعها الإمبراطوري التوسعي.

استراتيجية الحصار ستؤدي إلى أزمات تساهم في تقليل الخطر الإيراني، لكنها لن تكون كافية لردع إيران وكبح رغبتها في أن تكون جزءًا من التشكيلة الجديدة للمنطقة، فهي لن تقف عاجزة وستسعى جاهدة لاستغلال أي هفوة في استراتيجية الردع الاقتصادي، لبناء اقتصادٍ موازٍ يؤمّن احتياجاتها، واستغلال الحصار لمصلحتها وإدارة الدفّة باتجاهات أخرى، لتأكيد أنها تُظلم وتتعرض لاعتداء كبير قد يعيد التمسك الشعبي بالسلطة؛ حيث اعتبر المرشد الأعلى علي خامنئي أن “النظام يواجه حربًا اقتصادية شاملة، متهمًا أجهزة التجسس الأميركية والصهيونية بـالترتيب لحرب إعلامية، هدفها تضخيم المشاكل الاقتصادية في عقول الشعب. فإيران ستسعى جاهدة لوحدة الصف الداخلي، والتمسك بما تعتبره ثوابت مكتسبة، سواء أكانت داخلية أم خارجية، في الحدّ الأدنى مستفيدة من التطورات المتلاحقة بسبب رفض الصين والهند وروسيا الالتزام بالعقوبات؛ ما يعطي إيران فرصة للتملص أو تخفيف شروط هذا القانون الملزم للإدارات الأميركية القادمة. في وقت لا يبدو فيه أن هناك بدائل أميركية أخرى يجري تحريكها، فالتحالف الاستراتيجي العربي حديث التكوين لن يكون قادرًا على إحكام الضغط لدفع إيران خارج المنطقة وإعادتها إلى ديارها، أو سحب رصيدها من الوكلاء، وترميم ما شجعته من الانقسام الديني والسياسي؛ ما لم يمتلك خطة سياسية قوامها المواطنة، للخروج من حال التمذهب السنّي الشيعّي الذي حصل مؤخرًا. وبذلك فإن هذا الحصار سيبقى مرتهنًا بمدى تأثير العقوبات الاقتصادية الأميركية ومدى قدرة النظام الإيراني على تحمّلها، وبقدرة أميركا على فرض معادلات جديدة في المنطقة حتى لو أعطت إيران ضمانات مباشرة لأمن “إسرائيل”، باعتباره الأهم بالنسبة إلى واشنطن.

الحصار الاقتصادي الذي يبدو أكثر أمانًا بالنسبة إلى واشنطن، ويقع ضمن حدود حفظ مصالحها ومصالح “إسرائيل”، وأكثر إيلامًا للنظام الإيراني الذي سيُهزم في نظر شعبه، إن خضع للضغوط، وسيتعرض للسقوط إن ظل يكابر، سيبقى ضمن إطار السياسات المرحلية التي تصلح للاستخدام التفاوضي، وليس لبناء استراتيجية متكاملة لإضعاف إيران وتحجيم دورها المزعزع للأمن والاستقرار، ما لم يرافقها احتواء سياسي يتم فيه تطويق إيران ووكلائها المحليين، عبر بناء استراتيجية عربية قادرة على استعادة التوازن المفقود، ووضع مجموعة من القواعد تتبناها كافة دول المنطقة، ضمن خطّة تتعدى استراتيجية احتواء إيران لتصل نحو استراتيجية استقرار في الشرق الأوسط ككل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق