كلمة جيرون

الاستراتيجية والتكتيك

من عيوب السياسات العربية -عمومًا- أنها تغوص في التكتيك، وتستغني عن الاستراتيجية، ومع الممارسة؛ يتحول النهج السياسي إلى مجموعة من الممارسات التكتيكية التي تتوافق أو تتعارض في ما بينها، بحسَب الصدف والمناسبات، وتصبح السياسة بمجملها سياسة “مياوَمة”، تمامًا كالعامل بالمياومة: يعمل ليومه ولا يعرف ما يحل به في الغد، من دون عقد عمل دائم أو وظيفة مُستقرة؛ وفي هذه الحالة تلعب الصدف والأقدار دورًا أساسًا في التخطيط للمستقبل.

الاستراتيجية -بطبيعة الحال- لا تنفصل عن التكتيك، والعلاقة الجدلية قائمة دائمًا بين الاثنتين، وأي استراتيجية يجب أن توضع لها تكتيكات واضحة ودقيقة، لكن الخطر أن يسيطر التكتيك على كل شيء، وبالتالي، بل بالضرورة، تضيع الأهداف الأساسية أو تُنسى، أو تحتل مركزًا ثانويًا، ويحصل الخطأ في التحالفات (وهي وسيلة مهمة لتحقيق الهدف) وتطغى معالجات القضايا اليومية والعارضة على العمل والهدف الاستراتيجي.

بعد أن بدأت الثورة السورية، قبل أكثر من سبع سنوات، لم تضَع المعارضة السورية أهدافًا استراتيجية واضحة، ولم تُحدد التكتيكات والوسائل اللازمة لتحقيق هذه الاستراتيجية، وتركت الشارع السوري يقودها، ويرسم لها تكتيكاتها واستراتيجياتها، بل ساهمت النخب (التي يرى الصديق أحمد برقاوي أنها الصفوة) في تمييع الاستراتيجيات بالتكتيكات، وفهمت القضية السورية كهدف فقط، من دون أن تُحرّك الأدوات الفكرية والاجتماعية والشعبية ضمن استراتيجية محددة.

لهذا، تقهقرت الثورة السورية، من دون معرفة واضحة لأسباب التقهقر، اللهم سوى إلقاء اللوم على الخارج “الذي أراد التآمر على الثورة، وعلى طموح السوريين بالتحرر والديمقراطية والكرامة”، الحجّة الفضفاضة الهلامية حمّالة الأخطاء.

التنويه بضياع البوصلة سهل للغاية، والتنبيه من تسوّد التكتيك على الاستراتيجية أمرٌ هيّن كذلك، لكنّ تحديد وسائل استعادة البوصلة صعبٌ للغاية، ووضع تكتيكات واضحة لخدمة استراتيجية واضحة أمرٌ يحتاج إلى نخبة تكنوقراطية ثورية ماهرة، تبدأ بتحديد الأصدقاء والأعداء من جديد، وتُجدول أساليب استمرار التحدّي، وأساليب بث الروح في الثورة، ووسائل تغيير المسارات، وتحديد قوّة الخصوم، وإبراز قوّة الحجّة، وهي خطوات ضرورية كي لا يكون المسير ألف ميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق