أدب وفنون

أسئلة الفجيعة ودهشتها في مجموعة (بأي جرح ألمسك)

الزمان والمكان سائسان خبيران ومتمرسان، يمضيان بالإنسان إلى أقاصي الحزن أو إلى أعالي السعادة، ويختبران الروح والنفس في ميادين كثيرة، وتستكشفان المضمر الذي نخفيه، لذا سنرى أن الزمان المثقل بالحروب والخراب والدم، والمكان المجبول بماء الغياب والركام والفراغ وفوارغ الرصاص والقذائف، هما الحوذي الذي يتحكم في الكلمة والعبارة والصورة في المجموعة الشعرية (بأي جرح ألمسك)، الصادرة عن أكاديمية الشعر في دولة الإمارات العربية المتحدة للشاعرة السورية إباء الخطيب، فهي ابنة المشهد والواقع، وهي التي تتلمس الحزن والدمع بشعرها، فلا غرابة من عبورها على آثارهما كالطفلة التي تتمسك بثوب أمها في الطرقات القصية والشوارع المزدحمة خوفًا من الضياع أو التماسًا للأمان والسكينة.

(وطني..

تعذبني القصيدة حين تشعل بالها!

مذ أترعت بنزيف صبرك..

قطّعت أوصالها

فافتح قوارير الرواء وصبّها

كرمى لها) ص16

تتقصى نصوص المجموعة الشعرية كل التداعيات والهواجس التي تخلقها الحرب في الذات الإنسانية، والذات الشاعرة على وجه التحديد، فتحاول إباء أن تحصي تلك الجراح أحيانًا، وأحيانًا تحاول لثمها، وتسعى لنصب المنارات في عيون المبحرين نحو الخلاص، حيث شواطئ الموت أو سواحل الاغتراب، ثم تعود لتنبش مدافن الشوق والحنين في صدور الأمهات والغُيّاب..

(ضممت طيوف الراحلين.. بكيتهم

وفي الدمع سر للعيون يتاحُ

فكيف تربي الصبر أمّ بخاطري

وقد أشعلوا فيّ الحنين… وراحوا.) ص22

دمشق، والحنين إلى شوارعها، والذكريات والياسمين، كلها تعترض الشاعرة، لذا تنساق وراءها وتنسج بوحي الشعر التفاصيل التي اندلقت من الخوابي العتيقة، لتتوالد اللحظات الجميلة والسعيدة كالخناجر في الظهر. تستعين بوجع المآذن والأحلام وبالصدى لتراوغ الحرب، أو لتهادنها..

(الشام دمع الراوين إن عطشوا

“متّعها بالكرى مسهّدها”

كم وسدت حلمنا وكم ضحكت

اليوم.. بات الحبيب يجلدها) ص 18

وتقول أيضًا:

(أضيء بمحراب المحبة شمعة

ليرنو إلى سوء الظنون صلاح

تنادي بإسمي للسلام ضمائر: دمشق

وتندى في الحروف جراح.) ص 23

(بأي جرح ألمسك).. هذه العتبة التي اتكأت عليها الخطيب لتصدير قصائدها، لم يكن حضورها اعتباطيًا، لأننا عند الانشغال بسبر أعماق النصوص سنلاحظ أنها بمثابة الدليل والمرشد، فأغلب النصوص والأبواب التي اعتمدتها الشاعرة تستعين بمفردة (الجرح). إذ إنها تبدأ بباب يحمل عنوان (جرح وارف النزف.. مؤلم ومباح)، لأنها الشمال الأصيل للواقع السوري والترجمان الوحيد للحقيقة وبوصلة القلوب التي لا تجد شمال السلام والخلاص من الحرب، وتختار للباب الثاني عنوانًا يليق بما تكابده وتحلم به (جرحي..)، ثم تنتقل إلى الحب وتسِمُه بمفردة الجرح أيضًا لتكتمل حقيقته (جرح لا يشفى.. الحب) و(جرح الكلمة)، وعندما أرادت استحضار الموروث؛ استحضرت الخنساء في باب (جرح الفقد). استحضرتها بثقل الحرب والحزن، وحين تحضر الفلسفة وأرسطو في قصائد الخطيب تستدعي الجرح أيضًا في الباب الأخير (شرفات على جراح الروح)، وتختم بالباب السابع (سدرة الجرح)، حيث المستوى الأعلى للحنين والحزن على فقدها لخالها منذر الشيحاوي. ومن بين سطور القصائد تبزغ مفردة الجرح في نصوص كثيرة منها..

(لا تعترف للحرب أنك شهدها

حير ظلالك.. واجرح الأوراقا) ص26

وأيضًا:

(ما أجرح الشوق! لا دفئي يروضه

بعد الغياب.. ولا قلبي يطوعه) ص43

الحرب بارزة دائمًا، فهي اليد التي تبعثر وتجمع وتوجه، هي اليد التي تعزف على قيثارة الحنين للمكان والأحباب، وترتل الحزن، وتخلق بالجراح جسدًا مزدحمًا بالتناقضات جمالًا وقبحًا، كوابيسَ وأحلامًا، يأسًا وأملًا، حياةً وموتًا؛ فتتشكل المجازات والكنايات التي تؤجج رواكد النفوس لتؤرق الجوارح.

(للحرب ألسنة تطال الحلم حد الأسئلة

للحرب لعنتها التي حلت علينا مثقلة

فافرد جناحك في ضميري خلسة

فأنا وأنت

وكلنا.. نمضي لحرب مقبلة.) ص19

حتى الحب في نصوص الخطيب، ممسوس بلعنة الحرب وآثارها. الحرب التي تقتاد الكلمات نحو معجمها، فتشذب أقلام الشاعرة لتكتب لنا عن الحب والوجد، في عوالم تمتد على مساحات واسعة تتملص من الذاكرة المثقلة بالسعادة والممتلئة بالحسرات.

(خذ نبض حزني..

هكذا تنأى الجراح عن الجراح

فإن لي ما ليس لك

إني نثرتك في السطور تكرمًا

لأزيح عن ظهر القصيدة مقتلك.) ص34

ربما التأرجح بين الثقة وعدمها، بين اليقين والشك، بين الأمس والغد، أسقط الشاعرة في مصيدة الإكثار من الاستفهام، ربما لأنه قادر على مواساة النفس، وبالتالي إنقاذها من تداعيات الحرب ووجعها العميق، أو لأنه الحامل الأمثل للوقوف على الخط الموازي لحجم المأساة التي يعيشها السوريون في كل مكان، فهو الكوة التي من خلالها تتنكر الشاعرة لهذا الواقع الأليم، وهو المنبر الذي يعلو صوتها من خلاله لتسخر من الحرب والموت وحتى الحب.

– (وطن يهدهدني لديك فدلّني                     من في اليباب يقلّم الأشواقا؟) ص25

– (يا من تسير على الرماد بداخلي              بح للشموع، وقل لها من أشعلك؟) ص34

– (من لقن الشيطان فيك غواية..؟               ليجمل القبح الذي قد جملك) ص34

– (رعشة في الروح أم يأس؟                   أم جلالك السهد يا نفس؟) ص35

أيضًا استغرقت الشاعرة في استخدام أسلوب التعجب في نصوصها، وقد يكون ذلك غاية تصبو إليها لترسم به الصور البسيطة، ولتفجر به ما يجعل الوجع ينمو طبيعيًا على الملامح وفي خيال البسطاء والضعفاء، وقد يكون ذلك نابعًا من الرفض أو اليقين بما يجري أو سيجري وكل ذلك ينساق للظرف زمانًا ومكانًا أيضًا.

  • (لم أقترف في الحب ما عصفا

والقلب.. آه القلب كم نزفا!) ص46

  • (ما أتعس الأحلام حين يغيمها

حزني عليك.. وغيمها ما أتعسه!) ص74

أكثرت الخطيب من استخدام الجمل الفعلية وخصوصًا الأمر وأسلوبي التعجب والاستفهام، وبالرغم من تعاظم ملامح الحرب وسطوتها على النصوص، وتبدي حالة الصراع الأبدي بين البياض والسواد، فإن الاستغراق في استخدام هذه الأساليب والتراكيب جعلتنا نقف أحيانًا أمام نمطية الصياغة وتكرارها، وأمام الصورة المتكررة أحيانًا أخرى، لكنها في المحصلة كانت تخلق اتصالًا جميلًا ما بين اللغة والخيال والفكرة.

(قلقان أنت وظلها

فانسج لدربك شالها

يا غيم بلل راحتيك..

بما يطمئن بالها) ص13

تقول جراح هذه القصائد: إن الشاعرة إباء الخطيب هي من الأصوات الشعرية التي تحاول أن تحرك شراع الحرف نحو الجهة التي تتزاحم فيها الأفكار والعواطف والأحلام، مستعينة بفلك الخيال وبلغتها؛ الحامل الأهم في معادلة الشعر والجمال، في زماننا المتخم بالوجع، وفي المكان المثقل بالخراب.

****************

المراجع: المجموعة الشعرية (بأي جرح ألمسك)- صادرة عن أكاديمية الشعر-أبو ظبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق