مقالات الرأي

خرافة الأبدية وتماثيل الأسد الأب

ما من شيء يمكن له أن يعكس صورة الخراب الذي ألمّ بسورية وبالسوريين، أكثر من تماثيل السفاح الأسد الأب، فحينما يُصرّ الأسد الابن على تشييدها فوق ركام المدن والأحياء المدمرة، إنما يعبّر عن فخره وتصالحه مع هذا الخراب والدمار، ليبدو هو وتلك التماثيل كغربان تنشر رائحة الموت في كل ركن وزاوية، ووجه الأسد الأب فيها يعلن صراحة أنه الأب الشرعي لكل هذا الخراب الذي حلّ بسورية.

منذ أن استولى الأسد الأب على السلطة 1971، حوّل سورية إلى كهف ينتشر فيه الرعب، وتفوح منه رائحة الجريمة، وقد ألهم أعوانه تقديسَه، بوصفه “إلهًا ورمزًا لسورية الحديثة”، بينما عمل جاهدًا على تمزيق سورية، على كافة الصعد، سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا وماديًا، وهو مصرّ على الترويج لخرافة الأبدية التي جثمت على صدور السوريين لعقود طويلة، يرون المجازر تُرتكب من حولهم، في كل بقعة من أرضهم ووطنهم، باسم القومية والعروبة والقضية الفلسطينة. بزعامة “القائد الخالد” الذي ارتكب أبشع المجازر والجرائم بحق الفلسطينيين، في تل الزعتر 1976 حيث قضت عصاباته على المئات منهم ذبحًا بالسكاكين، وأحكم طوق حصاره عليهم، في جميع المخيمات المنتشرة على الأراضي السورية، وقتَل الكثير من أبناء تلك المخيمات، وزج بأحرارهم ومفكريهم في السجون والمعتقلات.

كان صاحب هذه التماثيل يعتاش من القتل والفتن والخراب، ينتقل من مجزرة إلى مجزرة، ومن جريمة إلى جريمة، بدم بارد، حتى حوّل الأراضي السورية إلى مسلخ كبير، ترتكب فيه أبشع وأحط الجرائم والمجازر. وذاكرة السوريين متخمة بصور عنه، بدءًا من مجزرة جسر الشغور 1980، مرورًا بمجزرة سجن تدمر 1980،  ومجزرة حلب 1980، ومجزرة حماة الكبرى 1982 التي قضى فيها عشرات الآلاف من المدنيين، ذبحًا بالسكاكين، وإعدامًا بالرصاص والصواريخ والقنابل، ودائمًا تمثاله ينتصب فوق ركام المدن والأرواح البشرية التي فتك بها، لتذكّر السوريين بسيّد الخراب، وبخرافته الأبدية.

انطلاقًا من العقدية المستمدة أساسًا من خرافة الأبدية، نُقل الحكمُ إلى الأسد الابن، الذي ورث عن والده طاعون الخراب، فراح يستأنف مسيرته التدميرية، ويوسعها إلى حد أشمل وأعم. وحينما بدأ السوريون يحطمون هذه الخرافة المجسدة في تماثيل الأسد الأب، كان لا بدّ للأسد الابن أن يتقمص هذه الخرافة، ويرتديها كعباءة ترافقه حتى إلى سرير نومه، ولأجل استمرارها، ضحى بالوطن وبمن عليه، مستخدمًا كل ما في هذا الكون من انحطاط وتدمير، ولهذا أول ما راق له فعله، بعد أن أحال معظم المدن والقرى والبيوت إلى خراب، وبعد قتله وحرقه وذبحه وتهجيره لملايين السوريين، أن يسارع إلى إعادة إحياء تماثيل والده، فبها يستظل ويستنير ، ومعها يشعر بالفخر وبالرضى عمّا حلّ بالسوريين.

هكذا يتصالح السفاح الأسد مع نفسه، فالخراب والدمار من منطق خرافة الأبدية، هو الخيار الطبيعي بالنسبة إليه، وعليه فإن مشروع إعادة إعمار سورية يتلخص -عنده- في إعادة بناء تماثيل والده، بقصد تجميد الزمن والتاريخ، والتشبث بخرافة يراد لها أن تبقى جاثمة فوق صدور السوريين مدى الحياة، دون أن يحدث أي تغيير في البنية العقلية للتنظيم الأسدي، بل استفحل إجرام عناصره وانحطاطهم وتخلفهم وهمجيتهم حتى تجاوزوا العصور الحجرية.

هذا هو مفهوم العلمانية، عند الأسد الذي يستمد وجوده من القتل والموت والخرافات التي تحتاج إلى مئات الآلاف من القرابين، تنحر لتعبيد مسيرة إعادة  إعمار تماثيل سيّد الخراب، مجسدة خلاصة فهم الأسد الابن للحل السياسي المزعوم.

يبدو العالم من حولنا سعيدًا وفرحًا بهذا الخراب، وراضيًا كل الرضى عن السفاح الوريث، حيث يتعامل زعماء العالم معه، بوصفه وريثًا علمانيًا، وعليه يستمرون في الإبقاء عليه والاعتراف بشرعيته في المحافل الدولية، وكأنه تمثال لا يُستغنى عنه، ربما لامتحان خرافات وتماثيل قد يرونها تعكس خفايا في ذواتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق