ترجماتسلايدر

العلاقات الأميركية-التركية ربما تنتهي بالتراضي في سورية

يحاول البلدان العمل معًا قي منبج، ولكن الوضع لا يسير بشكل جيد

الصورة: قوات أميركية وقوات حماية الشعب الكردية (YPG)، تسيّران عربات عسكرية بالقرب من بلدة الدرباسية في شمال سورية في 28 نيسان/ أبريل 2017. (دليل سليمان/ الوكالة الفرنسية/ صور جيتي).

الأسبوع الماضي، بدأت الولايات المتحدة وتركيا تسيير دوريات عسكرية مشتركة في بلدة منبج السورية. الدوريات جزء من المرحلة الثانية لما يسمى بخريطة طريق منبج، يحاول الاتفاق، الذي وقع عليه البلدان هذه السنة، خفض التوتر بينهما في سورية. وعلى الرغم من بعض التقدم الحاصل، لم تعمل الخطة بشكل جيد، وما يحدث في المدينة يمكن أن يؤدي إلى تقويض العلاقة المتوترة بالفعل بين الولايات المتحدة وتركيا.

لطالما كانت منبج، التي تقع بالقرب من الحدود السورية مع تركيا، نقطة خلاف بين القوتين. في عام 2016، عملت الولايات المتحدة مع حلفائها من القوات الكردية، على طرد الدولة الإسلامية من المدينة[1]. كانت المهمة تهدف إلى منع المجموعة من التواصل مع الحدود التركية، وقد جاءت العملية في إطار التحضير لحملة أكبر لتحرير مدينة الرقة التي أُعلن في السنة التالية. إلا أن العملية تخطت خط تركيا الأحمر، طويل الأمد، ضد أي وجود كردي في غرب نهر الفرات.

لم تكن أنقرة سعيدة أيضًا، إذ اعتبرت زحف القوات الكردية غربًا تهديدًا لأمنها القومي. لذا وبعد سقوط منبج، في صيف عام 2016، تدخلت القوات التركية في شمال حلب. وقد أطلق على العملية التركية اسم (درع الفرات)، حيث طردت [خلال هذه العملية] الدولة الإسلامية من آخر مواقعها على طول الحدود. كذلك منعت جميع محاولات إيجاد ممرات برية محتملة للكرد من التوجه غربًا نحو الكانتون المنعزل في عفرين، حيث كانوا سينضمون إلى نظرائهم من القوات الكردية المتحصنة هناك. في بداية عام 2018، بدأت أنقرة عملية ثانية بعد عملية درع الفرات، أطلقت عليها اسم (غصن الزيتون)، حيث قامت بالسيطرة على كامل منطقة عفرين، وطردت الأكراد السوريين منها.

خلال الإعداد لتلك العملية [غصن الزيتون]، أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (مرارًا) إلى أن منبج قد تكون التالية. وفي كلمة في كانون الثاني/ يناير، حذر[2] [أردوغان] القوات الأميركية من زيادة التعاون مع قوات حماية الشعب (YPG)، وهي أقوى الميليشيات الكردية التي تعمل مع الولايات المتحدة في سورية. كما ترتبط قوات حماية الشعب بحزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو مجموعة متمردة تنشط في تركيا منذ عام 1984.

ولتسوية الأمور مع تركيا، زار وزير الخارجية السابق، ريكس تيلرسون، أنقرة في شباط/ فبراير الماضي، للقاء وزير خارجية تركيا، مولود جاويش أوغلو. اتفق الطرفان على تأسيس مجموعتي عمل، واحدة من أجل قضايا سورية، والثانية من أجل قضايا أوسع في العلاقة الأميركية-التركية، بما فيها احتجاز مواطنين أميركيين، إدانة مواطن تركي في نيويورك، شراء أنقرة منظومة صواريخ إس-400 من روسيا.

كانت لمجموعات العمل، التي بدأت عملها بعد زيارة تيلرسون مباشرة، نتائج متباينة. إلا أنه في حزيران/ يونيو، توصل الجانبان إلى اتفاق بشأن منبج. لقد وضع الجانبان خريطة طريق للعمل معًا، بدلًا من مقاصد متقاطعة في المدينة. دعت الخطة إلى تسير دوريات أحادية من جانب كل طرف، على طول حدود المنطقة، يتبع ذلك تسير دوريات عسكرية موحدة على طول الخط. والآن بدأت الدوريات المشترك العمل معًا، المرحلة الثانية من خريطة الطريق من المفترض أن تكون قد بدأت. وهذا سوف يشمل قيام الولايات المتحدة وتركيا بالتدقيق في أعضاء “مجلس منبج العسكري”، الذي يحكم المدينة حاليًا.

إلا أن خارطة طريق منبج تعاني من عدم الوضوح منذ البداية. تصرّ أنقرة على أن من المفروض أن يكون للاتفاق جدول زمني محدد. إلا أن الولايات المتحدة من جانبها، تؤكد أن من المفترض أن يلتزم الجانبان بشروط محددة، قبل الانتقال من مرحلة إلى مرحلة. قوّض التراشق بين الدولتين تأثيرَ خريطة الطريق الموجودة: حيث ما تزال التوترات بين الحلفاء السابقين عالية، ولا أحد يعلم ما الذي سوف يحدث لاحقًا.

مرارًا وتكرارًا، أوضح أردوغان أنه يرى منبج نقطة انطلاق لتطهير شرق سورية من وحدات حماية الشعب. ولتأكيد هذه النقطة، قامت تركيا مؤخرًا بقصف مواقع وحدات حماية الشعب بالقرب من منبج، وأماكن أخرى على طول الحدود السورية-التركية، بنيران المدفعية. وتسعى تركيا من خلال هذا الضغط العسكري لإنجاز أمرين: الأول، محاولة إقناع الولايات المتحدة بالتخلي عن الشراكة مع الأكراد؛ والثاني، إجبار واشنطن على التفاوض حول نموذج لاتفاقية خريطة طريق منبج، يطبق في مدن أخرى في شرق سورية. يُعد هذا الضغط تهديدًا ضمنيًا من تركيا: إذا لم تقم الولايات المتحدة بما تريده تركيا؛ فسوف تستمر في إخماد الذخائر في أراض كانت خالية من الصراعات في السنوات القليلة الماضية.

يبدو أن الولايات المتحدة، على الرغم من وجود تحذيرات علنية من جانب الحكومة التركية، قد فاجأها تصاعد القصف في الآونة الأخيرة. إنها تكافح من أجل الرد، وهي تتأرجح بين محاولة استراضاء تركيا بتلميح إلى تنازلات مستقبلية على طول الحدود، وبين توبيخ الأتراك بهدوء، وتحذيرهم[3] من أن القوات الأميركية ستدافع عن نفسها، إذا ما أُطلقت النار باتجاهها.

الأولية القصوى للولايات المتحدة هي منع تركيا من زعزعة الاستقرار في شمال سورية. تتحدى الهجمات التركية فرضية أساسية حول اتجاه الحرب الأهلية في سورية: هي أن خطوط النار المختلفة أصبحت أكثر صلابةً، وأن المواقع الحالية للمقاتلين يمكن استخدامها كأساس للمفاوضات لإنهاء النزاع. لكن ليس لدى الولايات المتحدة خيار جيد للرد على تركيا، فهي لن تتخلى عن الكرد، كما ترغب تركيا، ولن تشرع في قصف تركيا، من أجل جعل هذا البلد أيضًا يقع في الطابور.

إن الخطوة المؤقتة والواقعية والوحيدة للولايات المتحدة، هي محاولة تعديل خارطة طريق منبج، في محاولة إبعاد نقطة الصراع فورًا من المعادلة، من دون جولة أخرى من المحادثات لإبرام الاتفاق، لأن من المؤكد أن عملية التدقيق لأعضاء الجديد في “مجلس منبج العسكري” ستكون مشحونة، حيث سيحتفظ كل طرف بمعلوماته الاستخباراتية، حول سبب تحفظه على شخص ما. وإذا ما تعطلت العملية كاملةً؛ فمن المرجح أن تزيد أنقرة من ضغطها على الكرد في سورية.

وللحفاظ على مسارها، يمكن للولايات المتحدة تبادل الضمانات مع تركيا، بأن تركيا ستوقف قصفَها مقابل وعود من الولايات المتحدة بوضع قيود على عمليات وحدات حماية الشعب. مثل هذا التجميد المتبادل يجب أن يكون على الأقل هدفًا قصير المدى بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهذا يتطلب الثقة، بالطبع، التي كانت قليلة. لكن يجب أن يساعد جهد حسن النية في توضيح خريطة الطريق.

بالطبع، تريد تركيا كذلك تعهدات من الولايات المتحدة بمتابعة المحادثات حول الحوكمة والأمن في مدن أخرى في شمال شرق سورية، ولكن الولايات المتحدة ليس لديها حافز كبير في الموافقة على ذلك. بعد كل شيء، كان هذا الجزء من سورية [شرق الفرات] متحررًا نسبيًا من العنف لسنوات، وقد تؤدي عودة بعض القوى الخارجية إلى هذه المناطق إلى اندلاع مواجهات كردية-عربية، أو كردية-تركية. ومن شأن ذلك أن يقوض الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع السوري. وإذا أرادت الولايات المتحدة أن تفكر بجدية في توسيع الوجود التركي في شمال شرق سورية؛ فإن عليها أن تكون على دراية كافية بأسس القيام بذلك، وأن تخفّض حدة العلاقات التركية-الكردية.

في الحقيقة، على المدى الطويل، إن استقرار سورية سوف يعتمد على ذلك، وسيكون الأمرُ الوحيد الذي سيمنع أي صراع مستقبلي فيها هو محادثات السلام بين الأتراك والكرد، إلا أن الحوافز المناسبة ليست مناسبة بعدُ في مكان لمثل هذه المفاوضات. قد لا يكون هناك الآن الكثير مما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة، ولكن، على الأقل، يحتاج صناع السياسة في الولايات المتحدة إلى أن يكونوا أكثر وضوحًا مع أنقرة، وكذلك مع أنفسهم. لدى تركيا أولويات أمنية واضحة، وسوف تستخدم القوة في تحقيقها. لا يمكن لها التوفيق بين أهدافها وأهداف أكراد سورية، وبالطبع مع أهداف الولايات المتحدة. وبسبب ذلك، لا يمكن لأنقرة ببساطة أن ترضى بخريطة طريق غير محددة بدقة وبخطة مشوشة لها، الأمر الذي سوف يؤدي فقط إلى تعزيز الوضع الحالي المتوتر.

بينما تواصل الولايات المتحدة وتركيا دورياتهما المشتركة، ويبدأ البلدان عملية صعبة في التدقيق في قائمة الأشخاص الذين لا يعرفون الكثير عنها، من المؤكد أن الافتقار إلى التفاصيل في خريطة الطريق منبج سوف يؤدي إلى مزيد من التوترات. أيًا كان ما سيحدث، فإن تركيا سوف تظل تشترك مع سورية في الحدود، بعد مغادرة الولايات المتحدة. كذلك أكراد سورية سوف يعززون حضورهم في المنطقة.

من مصلحة الولايات المتحدة، وإن كان فقط من أجل منع الدولة الإسلامية من استعادة موطئ قدم لها في الأراضي المتناع عليها، أن تجعل الأتراك والأكراد يتعاونون، الأمر الذي يوجب توضيحًا حول نيّات الولايات المتحدة، والالتزام [من جانبها] بمعالجة قضية مزعجة في العلاقات التركية-الكردية. ولكن لا شيء من هذا سوف يكون سهلًا.

العنوان الأصلي للمادة U.S.-Turkish Ties May Be Cut for Good in Syria
الكاتب Aaron Stein: a resident senior fellow at the Atlantic Council’s Rafik Hariri Center for the Middle East.
المصدر فورين بوليسي 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018
الرابط https://goo.gl/sfepJJ
المترجم وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون/ محمد شمدين

 

[1] Syrian rebels ‘seize key town Manbij from IS’: https://www.bbc.com/news/world-middle-east-36995759

[2] Kazan Soda Elektrik Üretim Tesisi Açılış Töreni : http://www.milliyet.com.tr/kazan-soda-elektrik-uretim-tesisi-acilis-ankara-yerelhaber-2532430/

[3] On Northern Syria Front Line, U.S. and Turkey Head Into Tense Face-off: https://www.nytimes.com/2018/02/07/world/middleeast/us-turkey-manbij-kurds.html

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق