تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

العدالة المنتظرة ستأتي حتمًا

دشنت مذكرة التوقيف الدولية الصادرة عن القضاء الفرنسي، بحق رئيس مكتب الأمن القومي في جهاز مخابرات الأسد، اللواء علي مملوك، واللواء جميل الحسن، والعميد عبد السلام محمود، عهدًا جديدًا وبارقة أمل بالعدالة التي ينشدها ملايين السوريين، وكان القضاء الألماني في حزيران/ يونيو الماضي قد أصدر مذكرة توقيف مماثلة، بحق اللواء جميل الحسن، وتحمل مذكرات التوقيف اليوم تهَمًا بارتكاب جرائم حرب، والإخفاء القسري، وممارسة التعذيب، بالاستناد إلى شهادات آلاف السوريين، ووثائق جُمعت من ناجين وشهود عيان وضباط منشقين.

المذكرات القضائية الدولية، بحق المجرمين في دائرة الأسد الضيقة، تُعدّ محطة أولى لها دلالة ومغزى كبيران، لأن الموقف الدولي بشكل عام من جرائم النظام سيئ للغاية، لدرجة أن هناك اعتقادًا ساد في أوساط عموم السوريين بأن الأسد سيستمر إلى ما لا نهاية في ارتكاب الجرائم، من دون رادع وحساب، إضافة إلى شلل المواقف العربية من الناحية القانونية، وعجزها عن اتخاذ مواقف حيال جرائم النظام، فمنذ تسريب الصور الأولى من ملف “قيصر”، على ضخامتها الجرمية، والتململ والتراخي كانا سائدان على الأقل ظاهريًا، لكن الغضب كان يجتاح المؤسسات القضائية والإنسانية، في العديد من دول العالم التي لم تشهد مثيلًا لتلك الفظاعات، منذ منتصف القرن الماضي.

إلى جانب الضجة، وردات الفعل التي بدت باهتة حيال استمرار النظام في ارتكاب جرائم الحرب، قررت بعض المؤسسات القضائية، كما شهدنا في ألمانيا مؤخرًا وفرنسا اليوم، أن تختار مواجهة وملاحقة مجرمي الحرب في سورية، وأن تبدأ من دائرة الأسد الضيقة، بعد انكشاف العديد من المعطيات والوقائع المهمة التي جسدت حتمًا مسؤولية رأس النظام وبطانته الأمنية والعسكرية عن مجمل الفظاعات، وثبت أن وصمة العار التي التصقت بالضمير الإنساني والعالمي، باستمرار الصمت، لا يمكن إزالتها إلا بالوقوف الجدي أمام جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سورية، ومحاكمة النظام وأركانه.

ويبدو  من خلال هذه التطورات القضائية، تجاه أركان النظام الأمنية، أن هناك، إلى جانب ملاحقة مرتكبي ومتسببي الجرائم في سورية، أولويةً لتحديد الخط الفاصل بين ما تطرحه القوى الداعمة للنظام، روسيا وإيران، عن إعادة المهجرين السوريين والإعمار، وبين إعادة النقاش كأولوية عن ملفات الجرائم، للضغط على النظام، والإقرار بوجوب القبول بالتسوية، حسب المرجعية الدولية في جنيف، ومن جانب آخر لضمان تحقيق بعض العدالة للسوريين. وعلى ذلك؛ تبقى المسألة القانونية والقضائية أبرز معالم محاصرة النظام، بعد أن كادت هذه القضية تندثر أو تتجمد، بفعل حجم التآمر على السوريين. ومن ثم تفتح بابًا من الشجاعة لبقية المؤسسات القضائية في العالم، لتنفض الغبار عن ملف جرائم النظام.

ولأن الدعاوى القضائية اليوم تناقض ما يحاول النظام وحلفاؤه إخفاءه وتمريره، من خلال مرافعات عسكرية على الأراضي السورية، وسياسية من على المنابر الدولية الدولية في محاولة لإنقاذ النظام، فهي أيضًا تعبيرٌ عن الحاجة الملحة إلى العدالة وإنشاء محكمة دولية للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبت في سورية، على غرار محاكم دولية تشكلت للتحقيق في جرائم كـ يوغوسلافيا وبروندي ورواندا.

وطالما أن ممارسات النظام، طوال السنوات الماضية، تشكل الأساس لإصدار مذكرات توقيف، حيث إنها تنتهك أصلًا القانون الإنساني الدولي المحدد في النظام، وتعدّ انتهاكات لمعاهدة جنيف لعام 1949 وانتهاكات لقوانين وأعراف الحرب (معاهدة لاهاي لعام 1907 والمبادئ المطبقة من قبل محكمة نورنبرغ، لمحاكمة رموز النازية وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية)، فيجب أن لا تتوقف المسألة هنا عند إصدار مذكرات توقيف تستهدف الدائرة الضيقة للأسد. وبحسَب الأسس القانونية للمحاكم والمذكرات القضائية، لا تنتفي مسؤولية الرئيس عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوه؛ إذا كان يعلم أو كان لديه أسباب للعلم أن مرؤوسيه على وشك ارتكاب هذه الجرائم أو أنهم ارتكبوها، ولم يتخذ الرئيس التدابير اللازمة والمعقولة لمنع ارتكابها أو معاقبة المرتكبين.

فما بالنا بنظامٍ، أَفجع كل أسرة، وحوّل ما تبقى من منازل السوريين إلى مجالس عزاء في السرّ والعلن! لذلك يرى قسم من المجتمع الدولي أن ما سيحول دون حصول تسوية سياسية وأخلاقية في سورية هو إفلات المجرمين المستمر من العقاب، وأنّ فتح بابِ الملف القضائي لمحاكمة النظام وأركانه، قبل ملف الإعمار والمهجرين، هو الذي يضمن العدالة للسوريين، ويكون لبنة أولى في بناء سورية ما بعد الأسد. فهل ستأتي عدالة كلف انتظارها ملايين الضحايا؟ حتمًا ستأتي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق