هموم ثقافية

المثقَّف واللاهوت

هل من فردوسٍ مفقودٍ بين المثقف ورجل الدين وبين العسكر، أو من ينوبُ عنهم في حكم الأمَّة؟! ثُمَّ من “جاب” العسكر ومن أفتى لهم أن يحكموا فينا؛ ويصنعوا ما صنعوا من هزائم للعقل العربي؟

لن نضع الحقَّ على الإمام أبي حامد الغزالي حين قضى على الفلسفة، ومن ثُمَّ على العِلم؛ فقطع الصلة التي بين العقل والدين. ولا على ابن رشد الذي أقام الإيمان بالله على البرهان والتأويل، كي تكون الحقيقة الدينية حقيقةً عقلية؛ لأنَّ العسكر فيما بعد اصطدموا/ صدموا الغزالي وابن رشد معًا، وبنفس المكيال. فأوَّل ما فعلوه حين اعتلوا سدَّة السلطة خلطوا الثورة بالدين وبالوطنية وبالقومية حسب اللزوم، فطلعت معهم طبخة “الدكتاتورية”. ثُمَّ وَرَّثوا السلطةَ لأولادِهم على أنَّها حقٌّ طبيعي؛ فعلها أوَّل من فعلها معاوية بن أبي سفيان، قائد أوَّل انقلاب عسكري ورئيسُ أوَّل مجلس قيادة ثورة، وصاحب أوَّل بلاغ (رقم واحد) في التاريخ العربي الإسلامي؛ إذ انتزع الملكية لابنه “يزيد” بالسيف وهو يُنَزَّلُ “يُسَرْكَل” إلى جدثه/ قبره، حين وَضَعَ مَنْ وَضَعَ السيفَ على رقبة “عمرو بن العاص” أو يُبايِعَ يزيدَ أو رقبته. فطارتِ الشورى وحطَّ الجبر السياسي. لماذا لا يُورِّثُ العلماءُ والأدباءُ عِلمَهم وأَدَبهم لأولادِهم؟

مجلسُ قيادة ثورة؛ عسكر دمَّروا كُلَّ حركات المجتمع المدني، عسكر استعانوا بالديني وبالثقافي والوطني والقومي، للسيطرة على المدني فغابَ/ اندثرَ العقلُ لأنَّه كَفَّ عن التفكير، كَفَّ عن النقدِ الديني -العقل العربي أوَّل ما فكَّر ينقد- فكَّر ينقد نقدًا مدنيًا وليس دينيًا، نقدٌ يقتحم فيه الفكرُ الناقدُ كُلَّ المحرَّمات في ثقافتنا العربية. المرعب أنَّ العقل الديني؛ وليس الفكر النقدي الديني، يُحرِّم مقاومةَ السلطة المدنية، فنُطيعَ أُولي الأمر، سواء أكانوا على رأس السلطة المدنية أم العسكرية؛ ذلك حين يكون متحالفًا معها أو نكونَ في حُكمِ من يعصي الله، من يقاوم الأمر الإلهي؛ باعتبار أنَّ هذه السلطة هي القوَّة الوحيدة المخوَّلةُ بتقرير مصيرنا! وبذا يكون العقلُ الديني قد صادرَ الحياة، لأنَّه عقلٌ يزعمُ ويدَّعي العلم والمعرفة، في حين هو يتعصَّبُ للخرافة والوهم، ويرى أنَّ الحقَّ كُلَّ الحقَّ معه، وطاعته واجبة، وَأَيَّ معارضة له إنِّما هي بمثابة إعلانٍ للحرب عليه، وبذا يطالع سيفه/ سيف الإرهاب، فيسفك الدماء، وينشر الرعب، وكثيرًا ما يحتمي العقلُ الاستبدادي بالعقلِ الديني والمذهبي منه. فالخليفة “المأمون” أخذ المذهب الاعتزالي، وحارب معارضيه من أهل السُنَّة، فيما أخذ “المتوكِّل” من بعده بالمذهب الأشعري، واضطَّهد معارضيه من أهل الاعتزال(!!). بل إنَّ معظم أحداث القتل والذبح، في التاريخ الإنساني، تأسَّست وقامت بموجب اللاهوت التاريخي الذي في الكتب المقدَّسة وما يتفرَّعُ عنها من مذاهب، والذي يتحوَّلُ إلى ذريعةٍ بيد الحاكم أو بيد المعارضة الدينية، فيفتكُ كلاهما بالآخر؛ ومن ثمَّ يفتكُ كلاهما بالمثقَّفِ وبالشعبِ الأعزل، الذي يدفع ثمن خلافاتهما العقائدية.

لاهوتٌ يُمزِّقُ وحدة الناس، فيمنعهم من استعمال عقلهم، بل يقف حارسًا على أيِّ نشاطٍ يُمكن أن يقوم به العقلُ -عقلهم- وهذا ما جرى لابن رشد وابن سينا والكندي أَبرزُ فلاسفتنا ومثقفينا. فالعسكرُ، وإن لبسوا الثوبَ المدني، والمدني الديمقراطي، والديني الذي من الشورى.. يقهرون العقل، بل يكفِّرونه إذا لم يكن تابعًا لهم. كذلك يفعلُ الشيخُ إذ يُقدِّم حُكْمَ الشرعِ بصفته حكمًا جاهزًا، على حكم العقل، ليستولي على السلطة بصفته ممثِّلًا للإله. فَيُخوِّنُ العسكريَ الذي اغتصبَ السلطةَ؛ حيث لم تُجْرَ عليه قرعةٌ ولم ينتخبه أحدٌ وبيده المسبحة والعصا.  ثُمَّ يقومُ العسكري فيخوِّنُ الشيخَ وبيده المسدَّسَ ومفتاحُ السجن، حينئذٍ يشغِّلُ الشيخُ عقلهُ “الاحتياطي” ويصيرُ يُهَيِّجُ الرأي العام بأنَّ فريقه (الذين هم علماء الفرقة “الناجية”) يتعرَّضون للإبادة على يد العسكر الذين من الفرق “الهالكة”. وكأنَّنا نحن -الشعب- ما علينا إلا أن نعصي اللهَ ونطيعَ العسكريَ الذي بيده المسدسُ ومفتاح السجن، أو نطيعَ الشيخَ فيسجننا معًا وفي زنزانة واحدة؛ لتعيش الأمَّة في مقبرةٍ جماعية، فنموت تلك الميتةَ الحضارية، ونصيرَ نردُّ على العسكري بإشارةٍ (بافلوفية): “نعم” أو “لا”. فلا صوتَ ولا رأي لنا.

أنا لا أنكر أنَّ سطوة المستبدِّ العربي، في أيِّ عتلةٍ من مؤسَّسات السلطة، قد أعاقت أو أفشلت الكثير من المشاريع التحررية والنهضوية بما فيها الوحدة العربية، وأنَّها لمَّا صادرت الحوار-التحاور، وتداول السلطة، قد سمحت بظهور حركاتٍ دينية سلفية متطرِّفة، وأحزاب معارضة في اليسار واليمين والفوق والتحت. وسنرى أنَّ هذه الحركات والأحزاب بعضها -خاصَّةً في فترة النضال السرِّي- اشتغل بغيرة على القومي وعلى الوطني، حتى لو كان الدين في جانبٍ منها دافعًا ومحرِّضًا.

ربَّما يعترض هذا المثقَّف على هذا الرأي، ويعتبر أنَّنا صرنا (نخلط). طيِّب لنفرز، لنفصل الدين، نقصيه عن المفهوم القومي. ثمَّ ألم نقصه، ألم نحيِّده؟ كلُّ الحكومات العربية مشاريعها كما تدَّعي ذات بعد وطني وقومي، ولم نسمع منذ الاستقلالات حتى الآن، عن حكومةٍ أو دولةٍ عربية، أنَّ مشاريعها كانت دينية.

لقد كثر “الهنود العرب” وعلى طول التاريخ تاريخ المجتمع المدني، ومنذ انهيار الخلافة الراشدية، كانت العلاقة بين الدين والدولة علاقة متوتِّرة مضطربة، فالإمام (مالك) خُلِعَ كتفه من التسويط، لأنَّه أفتى بأنَّ يمينَ المُكْرَه غيرُ ملزمة، وكذلك الإمام (أبو حنيفة) سِيطَ لأنَّه رفض تسنَّم القضاء، وكذلك الإمام (أحمد بن حنبل). وهذا فصل حقيقي بين الدين والدولة. دولة كانت في معظم حالاتها تزيِّف وتزيِّن علاقاتها بالدين. حتى إنَّ هذه (التزييفية) تنسحب على دول أوروبا وليس على دولنا العربية. أليست العلمَنة هي محاولة للفصل، بين الدين والدولة؟ ثمَّ ألم تكن الدولة -عندما تضعف وتصل إلى نهاياتها، وحتى تقوى- تستقوي بالدين؟ أكثر من ذلك؛ ألم يدخل نابليون إلى مصر واحتلَّها ببيانٍ بدأه بكلمة (بسم الله الرحمن الرحيم)؟؟ ألم يستعمل نابليون بونابرت هذه البسملة كحبَّة مخدِّر، يهدِّئ فيها نقمة، ثورة الشعب؟ ومن ثمَّ لمَّا وقعَ الاحتلال ألم يطالع نابليون أنيابه؟

أين الولاء للأوطان وليس الولاء للأديان أو للقوم، باعتبار أنَّ الوطن هو الرحم الأوَّل والرحم الأخير. هل هو التخريف أم هو التحريف؟ لا أحدَ يمكنه أن يُلغي العقل. آمِنْ بالله أو آمِنْ بما تشاء، فما الذي يمنع إيمانك من التمدُّد على الحياة، من اختراق حجابها الفلسفي وسبر أسرارها الكونية. العلمُ- البحثُ العلمي، فرضٌ على الكائن الإنساني في كلِّ الأديان، ضعفَ إيمانكَ أو قويَ، لكن أن تضلَّنا، أو أن تضلِّلنا فكريًا فتعطي الحكَّام المستبدين حقَّ ممارسة الإرهاب على مواطنيهم، فهذا ما لا يقبله الإيمان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق