سلايدرقضايا المجتمع

الاحتجاج الافتراضي الأخلاقي

راجت مواقع التواصل الاجتماعي، كـ (فيسبوك) و(تويتر)، وتعمّمت. وشاعت فيها موضة الاحتجاج الافتراضيّ الأخلاقي، من كلِّ حدب وصوب؛ كتغيير واجهة الصفحة الشخصية أو كتابة بوست على (فيسبوك) استنكارًا لفعلٍ ما، أو تضامنًا مع فعلٍ ما، أو الترويج لهاشتاغ ما على (تويتر)… إلى آخر ما هنالك من احتجاج افتراضيّ أو إدانة أخلاقية افتراضيّة. وبدا الرهان على مثل هذه المواقع كبيرًا جدًا، لدرجة أنه مع بداية الربيع العربي، تساءل أحد الغلابة المصريين بظرافة: “أيه ده الفيس بوك؟” فأجابه آخر: “ده بتاعة كده بيشيلو بيها الريّس!”، وليس مجرد أداة فحسب لتنظم الملايين احتجاجها الفعلي في الساحات والشوارع لإسقاط الرئيس.

ولكن بعد تعميم الخوف من الموت الذي قامت به الأنظمة العربية مع حلفائها، وبعد معرفتنا بالكثير من الجرائم الموصوفة، ورؤيتنا لها بالصوت والصورة والبث المباشر غالبًا، كقصف المدنيين في سورية أو غرق لاجئيها أو تقطيع صحافي في قنصليّة السعودية في تركيا، هل يكفي، لإراحة الضمير الأخلاقي والإعفاء من المسؤولية الأخلاقية، ما نقوم به من احتجاج أو تضامن افتراضي أو إدانة افتراضية؟ وهل يمكن لترجمة انحيازنا الأخلاقي إلى احتجاجات افتراضية لا إلى أفعال، أن تعفينا من الشعور المفرط بالخوف أو أن تمنع حصول الجريمة أو تحقق المحاسبة على الجرائم؟ والجواب: لا بالطبع لا يكفي.

إن احتجاجنا الأخلاقي الافتراضي، في مواقع التواصل الاجتماعي، يبقينا في سلبية سياسية وأخلاقية؛ فهو يساعدنا في أن نحيا بقية حياتنا من دون شعور بالذنب، لأنه يوهمنا بأننا قمنا بدورنا في الاحتجاج على الجريمة، ويمنع عنا الشعور بالذنب الذي يترافق مع عدم القيام بالدور الواجب علينا. إننا ننعم براحة البال وتحجيم الخوف، من خلال الاعتقاد بأننا مواطنون ناشطون وعالمون بالأمور.

والنتيجة هي إعفاؤنا من المسؤولية عن ردع الأفعال الإجرامية والمحاسبة على نتائجها من جهة أولى. وإعفاؤنا، من جهة ثانية، من الضمير الأخلاقي الذي يميّز بين الخير وبين الشرّ في الأفعال، حتى ضاع الخط الفاصل بين الخير والشرّ، وباتت الجرائم نسبية ويحكم عليها من مصالح مرتكبيها لا من الكليّة الإنسانية التي تتجاوز مصالح الأفراد وميولهم الإجرامية وكأنها جرائم افتراضية. وتأخير وتخدير شعورنا بالخوف الناجم عن بشاعة الجرائم المرئية، من جهة ثالثة.

إن للاحتجاج الأخلاقي الافتراضي، على مواقع التواصل الاجتماعي، آثارًا جانبيّة معاكسة للغاية المرجوة من الاحتجاج الافتراضي، مثل التخدير، والإحباط، والعجز (تدوير الخوف). فبواسطة التغذية الخلفية الراجعة يعود شيء بسيط من الاحتجاج الافتراضي إلى صاحبه، فإذا كانت تغذية موجبة؛ فإن صاحب الاحتجاج يتعلم ويتكيّف ويتطبع مع الجدوى الجديدة لاحتجاجه الافتراضي وحدودها، ولكن إذا كانت تغذية سلبية؛ فإن صاحب الاحتجاج يخاف ويُحبط ويُخدَّر. وعندما تتحطم آمالنا بتعميم احتجاجنا الأخلاقي الافتراضي، ومن عدم جدواه الفعلية، نلقي باللوم على مواقع التواصل الاجتماعي، بوصفها مُحبطةً لأهدافنا في محاسبة المجرمين أو في وقف الجريمة، ولا نلقيه أصلًا على الطبيعة الافتراضية لاحتجاجنا الأخلاقي. 

وعلى ما يبدو أن مواقع التواصل الاجتماعي تقوم بدور مُكمِّل للبيروقراطية أساسًا؛ وهو الدور الذي يتمثل في تخديرنا الأخلاقي وامتصاصنا لجرعات المسكنات والمهدئات الأخلاقية التي تُتطبِّعنا على “اعتيادية الشرّ وتفاهته”. فبعد أن أعفت البيروقراطيةُ ولا سيّما العسكرية منها (تلك المنفلتة من الرقابة والمحاسبة، والتي تستمد توحشها من رصيد الخوف الذي يعشش في نفوسنا) البشرَ من الضمير الأخلاقي، الذي يميز بين الخير والشر، وأعفتهم من المسؤولية الأخلاقية عن نتائج أفعالهم الروتينية -وذلك عندما طلبت من العاملين إطاعة الأوامر مهما كانت، وإتقان العمل مهما كان؛ صيغة “نفِّذ ثم اعترض”- أتت مواقع التواصل الاجتماعي بحمولتها الافتراضية، لتوهمنا بأننا قمنا بما يجب علينا القيام به، ولكن في الحقيقة، ما زالت الجرائم مستمرة، فلم نمنعها ولم نُحاسِب عليها، ونمنا مرتاحين الضمير من وراء احتجاجنا الافتراضي وإدانتنا الأخلاقية!

إن مواقع التواصل الاجتماعي توفِّر بديلًا للاحتجاج الفعلي الذي لم يعد أمامه من خيار إلّا أن يلجأ إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ويتحول إلى احتجاج افتراضي. وتوفِّر أيضًا مخارج مختصرة وظاهرية للاحتجاجات الأخلاقية، كما توفِّر حلولًا سريعة وعابرة للمعضلات الأخلاقية، في الحين الذي تريح فيه الفاعلين الافتراضيين من المسؤولية ووخز الضمير وتقليل الخوف. والمفارقة هنا هي أن مواقع التواصل الاجتماعي الخادمة لنا تساعدنا بالفعل في البقاء في سلبية سياسية وأخلاقية، فلسنا بحاجة إلى تحمل المسؤولية، لأن التكنولوجيا تقوم بهذا الدور نيابة عنا.

وهكذا، فالتخدير يوهمنا أن انتشار احتجاجنا الافتراضي انتشارًا واسعًا، على مواقع التواصل الاجتماعي، سينتج عنه عالم من دون قتل وتدمير، عالم ديمقراطي ومنسجم ومتعاون، تختفي فيه الجريمة والحرب والإرهاب ويعم فيه الأمن والسلام.

إذًا، يتسم الاحتجاج الافتراضي بسمات ثلاث هي: العجز والخوف والتخدير، ولذلك يتسم المحتجون افتراضيًا بالتأخر الأخلاقي عمّا يعيشونه؛ لانعدام الخيارات الحقيقة في الفعل الأخلاقي، واستبدالها بخيارات الاحتجاج الافتراضي. فمواقع التواصل الاجتماعي المتاحة لنا هي ما يدفعنا إلى الاحتجاج الأخلاقي الافتراضي، لا نيّاتنا في الفعل الأخلاقي أو ضميرنا أو إحساسنا بالمسؤولية أو انعدام خوفنا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق