مقالات الرأي

“الأسد الصغير” ضرورة تكتيكية لتمرير استراتيجيات كبرى

يبدو أن شعار “سورية بدون الأسد” الذي يتردد في بعض التصريحات الأميركية والغربية، قد أصبح بلا جدوى، وربما لوقت طويل أيضًا، بعدما ساهمت السياسة الأميركية في تمرير الاستراتيجية الروسية بالمنطقة، تحت يافطة “محاربة الإرهاب” أولًا، وبعدها القبول بمسار أستانا، كبديل عن مسار جنيف المعتمد كإطار للحل السياسي.

نجحت روسيا، من خلال ذلك، في إعادة أجزاء كبيرة من الجغرافيا السورية إلى مظلة النظام المهترئ سياسيًا وعسكريًا وإداريًا وأخلاقيًا، من دون أن يشكل ذلك عائقًا أمام المجتمع الدولي لرفض طروحات إعادة تأهيله، إذ يجد كثير من أصدقاء هذا النظام وأعدائه أن هناك ضرورة لبقائه كفزاعة طيور، لتمرير مصالحهم واستراتيجياتهم الكبرى، من دون أدنى اهتمام بمصير السوريين ومصالحهم، فروسيا التي تفاوض عن النظام وباسمه، في كل المحافل الدولية، بدأ يحلو لها الحديث مؤخرًا عن “صعوبة إقناع دمشق بخصوص موقفها من اللجنة الدستورية” مثلًا!

بالنسبة إلى القيصر بوتين، لم تنضج بعد صفقات إعادة الإعمار التي يلهث وراءها، بذريعة ضرورة العودة الطوعية للاجئين السوريين إلى بلادهم، فيما يعتقد أردوغان أن الوقت يمرُّ لمصلحته، بخصوص تمكين وضعه في إدلب والشمال السوري، ودحر خصومه الحقيقيين أو الوهميين من أكراد سورية، وإعاقة مشروعهم للإدارة الذاتية في الشمال أو شرق الفرات، خاصة بعدما ضمن نوعًا من الصمت الأميركي أو التواطؤ والمشاركة مع مخططاته بهذا الخصوص، على الرغم من الأصداء الطيبة لهذه الاستراتيجية المضادة للأكراد في إيران، التي يبدو فيها المرشد الأعلى مهمومًا بالعقوبات الأميركية الجديدة على نظامه المأزوم اقتصاديًا وسياسيًا؛ ما يعزز تصميمه على الاحتفاظ بكامل عناصر قوته الإقليمية في المنطقة بشكل عام، وفي سورية بشكل خاص.

لا شيء أكثر من ذلك يفسر استمرار الانسجام داخل مظلة أستانا، على الرغم مما يكتنفها من تناقضات بينيّة كثيرة؛ ما يدفع بأطرافها الثلاث الضامنين إلى البحث عن تكتيكات خاصة تضمن مصالحهم الذاتية، فنظام الولي الفقيه الذي انسحب كقوة عسكرية، بحدود مئة كيلومتر عن الجولان المحتل، عاد بسلاسة ويسر إلى جنوب سورية، من خلال ميليشيات محلية يجري تمويلها وتدريبها وتخريج دفعات من مقاتليها تحت أعين العالم أجمع، ومن خلال بعض خبراء الحرس الثوري الإيراني الذين ألحقوا ضمن وحدات عسكرية لجيش النظام ترابط قرب الحدود مع “إسرائيل”، ولن تضغط روسيا أكثر لإخراج إيران من سورية، طالما أن هذه الورقة تمثل مطلبًا إسرائيليًا وأميركيًا لم تقبض موسكو ثمنه الكافي بعد.

فيما تركيا التي التزمت، وفق اتفاق سوتشي الأخير مع روسيا، بضمان إخراج الإرهابيين من منطقة خفض التصعيد في إدلب، لتجنيب المدنيين فيها كارثة هجوم كان وشيكًا من قبل النظام والروس، تسعى الآن لإعادة تكييف “هيئة تحرير الشام/ النصرة سابقًا” لاستخدامها في مخططات دحر الإرهاب الذي لا تراه أنقرة غير فلكلور كردي، أكثر منه نتاج أيديولوجيا جهادية إسلامية؛ وهذا يعني أن السلم المنشود في إدلب، وربما الحل السياسي في سورية، لن يكون أكثر من استنقاع الحالة الراهنة بكل تناقضاتها، وربما لسنوات، طالما أن الكل يطمح إلى تمرير الوقت الذي يتيح له ضمان مصالحه.

في هذا الإطار، جاء لقاء إسطنبول الأخير يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر الذي جمع رؤساء روسيا وتركيا وفرنسا ومستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، بعد تأخير عن موعده الأول، في السابع من أيلول/ سبتمبر الماضي، إذ لم يكتشف الشركاء الأوروبيون بداية جدوى انخراطهما في هذا اللقاء، الذي انتهى أخيرًا بصياغات عامة تشدد على حسن النيّات، مثال “أهمية وقف دائم لإطلاق النار في إدلب” و”مواصلة الحرب على الإرهاب”، و”العمل معًا لخلق الظروف الملائمة لضمان السلام والأمن في سورية”، و”دعم حل سياسي وتعزيز الاجماع الدولي بهذا الشأن”!

مع وجود شبه إجماع دولي على أولوية تشكيل اللجنة الدستورية، كما ارتأت روسيا بداية، فإن لقاء إسطنبول اكتفى بالدعوة إلى تشكيل هذه اللجنة، وضرورة اجتماعها في جنيف قبل نهاية العام الحالي، إلا أنهم استدركوا سريعًا بعبارة “في حال سمحت الظروف بذلك”، وهي العبارة التي تحيلنا بالضرورة إلى تصريحات وزير خارجية النظام وليد المعلم، حين أبلغ المبعوث الدولي السابق ستيفان دي ميستورا قبل أيام من لقاء إسطنبول “رفض أي دور للأمم المتحدة في تشكيل القائمة الثالثة”، مطالبًا بأغلبية الثلثين ورئاسة اللجنة الدستورية وعقد اجتماعاتها في دمشق، إضافة إلى عدم الاعتراف بالبيان الرسمي الصادر من مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي بداية العام، الذي رعته موسكو أيضًا!

هذا الموقف الحازم ينسف الجهود الروسية، وإذا صدقنا أن المعلم يتكلم من دون وحي أو إملاء روسي، فكيف يمكن لساسة الغرب وأميركا أن يصدقوا ذلك؟ وهم يطلبون من روسيا ممارسة الضغط على نظام الأسد من أجل تمرير بعض المطالب، أليس في الأمر استغباء للغة؟ أو لمتلقي الرسالة؟ أو أنه مجرد استبطان وتسليم بالدور والمشيئة الروسية بخصوص سورية؟ بغض النظر عن بعض تصريحات متشددي الإدارة الأميركية الحالية، فالموقف الأميركي إزاء سورية كان -ولا يزال- مرهونًا بالموقف من إيران سلبًا أو إيجابًا، وهذا يشير إلى انعدام أهمية الموضوع السوري سياسيًا وإنسانيًا وأخلاقيًا، بالنسبة إلى هذه الإدارات المتقلبة، وهي جزء من خيبة السوريين عمومًا، بعد أن أصبحوا نظامًا ومعارضة خارج قوسين من قضيتهم، ومن مصالحهم.

تتعزز خيبة السوريين باستمرار تراجع حقوق الإنسان وقيم ومبادئ العدالة والديمقراطية والمساواة في العالم، كما تتعزز في ضوء المتغيرات المستمرة في السياسة والاستراتيجيات الدولية التي تلهث وراء مصالح خاصة لشركات ومافيات سلطوية مدعومة بخطابات شعبوية، خيبة تنداح بعيدًا خارج مساحة سورية لتشمل كامل المنطقة، وتشي بتراجع مستمر في أداء النظام والمؤسسات الرسمية للكثير من الدول، ويكاد المستنقع الجيوسياسي للمنطقة، وفي أغلب تلك الدول، يفتقر إلى أرض أو مفاهيم صلبة يمكن أن تُبنى عليها عمارة أي تحليل سياسي يمتلك شيئًا من المصداقية فيما يقول، فنعومة الطمي الذي ترسب في القاع تهدد بانزلاقات رخوة ومستمرة، ستجرف في طريقها الكثير من الأنظمة، والكثير من الأفكار والأيديولوجيات اليقينية السابقة، وستجرف أيضا أوهام الانتصارات لدى كثير من الأطراف، وفي طليعتهم نظام الأسد الصغير.

هذه الانزلاقات، ومن ضمنها هزيمة النظام العربي ومؤسساته، ربما تمهد لولادة شيء جديد ونهضوي في سورية وفي المنطقة ككل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق