تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

إدلب ومستقبل سورية

تجمعت، خلال الشهور الأخيرة، التناقضات والتجاذبات في الصراع الدائر والمتواصل في سورية وعليها، في محافظة إدلب وعدد من البلدات المتصلة بها، والتابعة لريفي حماة وحلب. ونتيجة اتفاق سوتشي بين الرئيسين أردوغان وبوتين، في منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي؛ تم إبعاد إدلب، ولو مؤقتًا، عن أخطار هجوم عنيف وشامل، كانت تُعِد له موسكو وسلطة بشار وقوات الميليشيات الطائفية الإيرانية.

لم يأت ذلك الاتفاق نتيجة ميزان قوى داخلي محلي، بين القوى المناهضة للسلطة الدكتاتورية، وقوى التحالف المعادي لحرية الشعب السوري. إلا أن جزءًا من العوامل التي جعلت الاتفاق ضرورة لا بدّ من قبولها، لدى موسكو وحلفائها، هو أن هناك قوى على الأرض، ولو أنها محدودة القدرات مقارنة بالتحالف المعادي للشعب السوري، لم يكن الاتفاق ممكنًا من دون وجودها، فضلًا عن الأعداد الكبيرة للسكان المدنيين في المحافظة واتصالها بريفي حماة وحلب.

غير أن العوامل الحاسمة في الوصول إلى اتفاق سوتشي، وتجنيب المحافظة هجومًا وحشيًا كان الإعداد له يجري على قدم وساق، كانت قد تشكلت من تقاطعات موضوعية بين مصالح الأطراف الإقليمية، وتحديدًا الطرف التركي الذي يضع أمنه القومي في الحسبان، إذا تم القضاء على الوجود “الثوري” في إدلب، وهو لهذا السبب رفض توجهات بوتين وروحاني، في القمة الثلاثية في طهران مطلع أيلول/ سبتمبر الماضي. لكن العامل الحاسم، وربما الأشد تأثيرًا، نشأ بفعل الخطاب الأميركي والأوروبي الجديد، قبل سوتشي بأيام معدودة.

لقد نجحت السياسة التركية في سوتشي، بالاستناد إلى موقف الدول الغربية، في إبعاد خطر الهجوم الذي كانت تلوح به موسكو وتعدّ له، كما نجحت في انتزاع تمديد زمني لإيجاد حلّ للتخلص من وجود (جبهة النصرة) وباقي القوى المصنفة دوليًا في قائمة الإرهاب، ويمكن أن تنجح في تمديد ثان وثالث، بيد أن السؤال المطروح: وماذا بعد؟

من المفترض أن تتم المحاولة على الإجابة عن هذا السؤال، على يد القوى التي تمثل، إلى هذا الحد أو ذاك، مصلحة الشعب السوري، ابتداءً من منطقة إدلب، وما تتعرض له أوضاعها من تجاذبات وسجالات، لا تخلو من تهديدات بعودة التحالف المعادي إلى العمل العسكري، أو الإعلان عن حتمية بسط سيادة “النظام” على كافة الأراضي السورية، ويقصد بذلك إدلب، حيث إن المناطق الأخرى التي اندحرت عنها قوى سلطة بشار وحلفائها، محمية بالوجود الأميركي الغربي في شرقي البلاد، أو بالوجود التركي الكامل في منطقة (درع الفرات)، وبالاعتماد على قوات (درع الفرات) التي تنتمي إلى جزء من الشعب السوري.

سلطة الاستبداد، مدعومة بحلفائها، تعتبر السيطرة على إدلب خاتمة المطاف في تحقيق النجاح ضد آخر معاقل الثورة والمعارضة، وتحاول تنسيق تحركاتها مع حلفائها، سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا. كما أنها تتابع الوضع الداخلي في تلك المنطقة، تترصد الفرص، وتستغل التناقضات الداخلية، وتحاول التسلل بغطاء العمل على ربط أمور المحافظة المدنية والإدارية والاجتماعية، لتكون تابعة لسلطتها المركزية. ومنه تعيد لنفسها إحكام السيطرة إلى أقصى حد على المناطق التي تمردت عليها، وخرجت من سيطرتها. وفي ظل الهدوء العسكري على الجبهات، لن تتخلى عن “حلمها” باستعادة تلك المساحات، وتنتظر نشوء ظروف ميدانية جديدة، مع رهانها على تغيرات في مواقف الدول الكبرى، خاصة إذا تم تحييد الدور الإيراني في سورية، وهو الهدف الذي تجمع عليه دول الغرب، ولن تقاتل موسكو دونه حتى النهاية. طالما أن أميركا أوقفت  العمل على إخراج بشار الأسد من السلطة، على المدى القريب، وحتى كبند في أجندات جنيف.

على الجانب الآخر، فإن ركون قوى المعارضة، واكتفاءها بابتعاد احتمالات الهجوم العسكري على المحافظة، كضمانة لبقاء إدلب بعيدة عن أخطار الاجتياح أو الاختراق، هو ركون يحمل في طياته مغامرة لا ضمانة فيها على المستقبل. خاصة أن مشكلات دقيقة تواجه المعارضة المعتدلة، أولها وأصعبها ما توفره (جبهة النصرة)، وبقية القوى المتطرفة والأصولية، من أجواء تسهل وتبرر الضغط العسكري، وربما معاودة شن هجوم شرس على المحافظة خلف ستار القضاء على “الإرهاب”، وهو أمرٌ يُضعف أيضًا قدرة تركيا على المناورة السياسية بوجه الضغوط الروسية، والدولية أيضًا.

إلى جانب ذلك، فإن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والإداري لثلاثة ملايين إنسان وأزيد، يتطلب معالجة توفر حدًا كبيرًا من الاستقرار والاطمئنان، ويقع ذلك على مسؤولية فصائل المعارضة المعتدلة، وتبدأ تلك المعالجة بخطوات تدريجية تسمح بتفكيك (جبهة النصرة)، ووضعها أمام خيار أساسي يقضي إما بحل نفسها، أو بمواجهتها بأقل قدر من العنف، ووضع حد لسيطرة القوى المتطرفة الأخرى، على قطاع واسع بشريًا وجغرافيًا. ولكي يتسنى لتلك القوى النجاح في هذه المهمة، يكون لزامًا عليها التحضير لإدارات محلية مدنية ومنتخبة، أو تكون موضع أوسع إجماع شعبي في المحافظة وبلداتها وامتداداتها.

يجب الاعتراف بصعوبة الوضع وتعقيداته هناك، لكن لا خيار آخر لمنع الخطر المحتمل والمرتقب على مصير المحافظة. وطالما أن سلطة الاستبداد، مدعومة بحليفيها الروسي والإيراني، تُعدّ العدة لإنهاء الوضع القائم في إدلب وبسط سيطرتها تمامًا، ليتم إسدال الستار على آخر معاقل الثورة؛ فالمواجهة لاحتمالات هذا الخطر وإحباط محاولات أطرافه، هي أمرٌ يشكل نقطة الانطلاق على طريق سورية الجديدة، سورية الحرة والديمقراطية. وعليه لا يجوز الاكتفاء باستبعاد، أو تأخير، الهجوم المعادي لقضية السوريين على إدلب، إنما يتعين العمل لجعل الحالة في إدلب قاعدة ارتكاز لمواكبة موجات جديدة، ومحتملة، من الحراكات الشعبية في مناطق أخرى.

مفاد الكلام أن إدلب إما أن تكون فصل الختام في هزيمة ثورة الحرية، أو أن تصبح الحاضنة لتجديد روح ثورة الحرية وتعميمها، لتتلاقى مع كل إفرازات التناقضات في مناطق سيطرة النظام، ولتراكم المقومات اللازمة للفوز بالحرية والتخلص من الاستبداد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق