هموم ثقافية

تسرّب مدرسي أم حرمان من الطفولة والحياة الكريمة؟!

إحدى حارات جرمانا المكتظة بالعمران والسكان والغبار، تتجمع في طرقاتها الضيقة مجموعات وعُصَب من أطفال تراوح أعمارهم بين سبع سنوات واثنتي عشرة؛ بعضهم من أبناء العائلات الوافدة من مختلف المحافظات السورية، وبعضهم الآخر من أولاد البلد، وجميعهم عناوين لأسرهم، لأن الثياب المستعملة صارت غالية هي الأخرى. هؤلاء الأطفال نماذج لأطفال مثلهم، في كل بلدة وكل حي من أحياء المدن السورية. الحروب الصغيرة المتداخلة في حرب واحدة، بلا اسم، استباحت طفولتهم وسرقت أفراحهم وأعطتهم بدلًا منها لعبة الحرب، وفنون الكر والفر، وألقاب المقاتلين ورتبهم وأسماء طوائفهم.

يفرون من أبواب البيوت عند الساعة الثامنة صباحًا؛ مع بدء اليوم الدراسي لأترابهم الأكثر حظًا بقليل أو كثير، يتجمعون في شارع أو زقاق أو في الأبنية الحديثة التي لم يكتمل كساؤها بعد، يتصافحون، ويتقافزون، ومن له ريشٌ منهم ينفش ريشه ويقود فريقه. وما دامت الحرب هي اللعبة الأساسية؛ فالفريقان محددان سلفًا: الدروز مع الدروز والسنّة مع السنّة، أو أولاد الحارة ضد أولاد الحارة الأخرى، أو “الجيش السوري” ضد “الجيش الحر”.. وربما اتفقوا على استعمال الأسلحة الخفيفة، (لأن الثقيلة سلمت بموجب المصالحات). مسدسات وبنادق بلاستيكية للقادة وخشبية للجنود (التراتب داخل كل فريق محدد إما بالقوة العضلية أو بالفطنة والذكاء، وإما بالعائلة وإما بمكانة الأب). لا أحد يعرف متى تنتهي المعركة، ولا كيف تنتهي، ينفضّ الجمع ليبدو أن الحرب انتهت، ولكن الحرب تنتقل إلى شارع آخر أو بناء آخر على العظم. مع هدنات قصيرة، يستمر القتال حتى منتصف الليل أو بعده. وحين يتذمر أحد الجيران من هذه الظاهرة يرد عليه آخر: الشارع ليس ملكك، “خليهن يلعبوا” فتبتسم له زوجته.

وفي الحارة ذاتها، سوبر ماركت صغيرة يعمل فيها ثلاثة أطفال ليل نهار، يقومون بتوصيل الحاجيات إلى المنازل مقابل خمس وعشرين ليرة سورية لكل طلبية، وفي وقت فراغهم ينضمّون إلى رفاقهم في اللعب أو العمل الفدائي الذي يقومون باختراعه.

هذه صورة واقعية، وعن قرب، لأطفال الأزمة، التي أفرزت هذا النمط من الطفولة، فمن المسؤول عن تسيّب الأطفال في الشوارع؟! وما هو الحل لهذه الظاهرة التي تُعتبر جريمة بحق الطفولة والأطفال؟ من المسؤول عن غرس التقسيم الفئوي في أذهان الأطفال الذين ربما صار المقاتل أو قائد العصابة مثلَهم الأعلى؟

تتعلق هذه الظاهرة بعدة عوامل، أولها البيئة الاجتماعية وأسلوب التربية المنزلية، وغياب القانون الذي يُلزم الأهل بإرسال أبنائهم وبناتهم إلى المدارس، ثم عدم وجود الدولة التي تتشارك مع المجتمع والأسرة في تحمل المسؤولية، وتوفر سُبل العيش اللائق لأطفال سيصبحون أفرادًا فاعلين في المجتمع وعماده الأقوى.

ما من شك أن في اللعب تخيّلًا وإبداعًا، فالطفل يلعب ويفكر، لكن ما أنتجه الواقع السوري، منذ ثماني سنوات حتى الآن، في مخيّلة الأطفال؛ هو العنف والخوف والإرهاب، فبدأ الإبداع الطفولي يتجه اتجاهًا سلبيًا أثناء اللعب؛ يجعل الطفل يبتدع ألعابًا وهمية تشبه الواقع تمامًا، ويتدرب من خلالها على حماية نفسه في المستقبل الضبابي الذي يعمّ المجتمع، أي إنه يعمل على تحصين نفسه ضد الغير الذي هو الآخر المختلف والأخرى المختلفة، فالطفل الذي يستقي التقسيم الفئوي من البيئة المحيطة به، وهو قادر على فهمها وإدراكها؛ يستطيع أن يفهم ويُدرك الموسيقى والرسم وكتابة القصص والرقص والغناء إلى جانب الكتب المدرسية، وأن يستبدل بالشارع مكانًا يحمي طفولته من التشرد والضياع، لو كان محاطًا ببيئة اجتماعية خلاّقة من جهة، ومحاطًا بقانون يحفظ حقه كطفل من جهة أخرى. كان شارل لالو قد لاحظ أن اللعب هو أصل الفن؛ فأي فن سينجم من هذه الألعاب المتوحشة؟

البيئة الاجتماعية والمؤسسة التربوية والدولة جميعهم يساهمون، مع الأسرة، في فصل الطفل عن طفولته، وإعادة إنتاجٍ البنية التراتبية في المجتمع؛ بل يساهمون في العودة إلى ما قبل المجتمع وما قبل الدولة، من خلال صنوف الحرمان التي يعاني منها الأطفال، ولا سيما الحرمان من التعليم. فليس ما يُشاهَد في تلك الحارة أو غيرها من الحارات في المدن والبلدات السورية تسربًا من المدرسة أو عمالة أطفال، بسبب تفشي الفقر وفقدان المعيل الأول للأسرة وحسب، إنما هو حرمان الطفولة من العيش بسلام، وزجها في ما يجري من نزاعات عسكرية ودينية ومذهبية وعشائرية.

من حق الطفل أن ينمو نموًا طبيعيًا سليمًا، في بيئةٍ آمنة ومستقرة، تراعي إمكانياته وتنمي قدراته الإبداعية. نحن -الأمهات والآباء- لا نكلف أنفسنا إبعاد أطفالنا عن مظاهر العنف ومشاهد القتل والتدمير، التي تبثها القنوات التلفزيونية، من دون أدنى شعور بالمسؤولية، ولا نجنبهم الثرثرات المذهبية والطائفية، وما تبثه من حقد وكراهية، فلعلنا نرغب في إنتاج أبناء على صورة الآباء، وبنات على صورة الأمهات، حفاظًا على هويتنا القومية والدينية. السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل فطنت الأسرة وهل فطن المجتمع والدولة إلى تربية الأجيال الجديدة على المواطنة، ومتى يمكن أن تفطن؟ فما زلنا نتلفع بعباءة التقليد والسائد اللذين يكونان ملامحنا في ملامح أطفالنا وسلوكنا في سلوكهم، “فالطفل يبدأ حياته في سنيه الأولى، وهو يعبّر عن الكثير من إمكانات الإبداع العفوي، إلا أن أسلوب التنشئة القمعية التي تقمقم الطاقات يفعل فعله في البيت ويستكمل في المدرسة في نوع من الخطة المبرمجة لقمع العفوية والإبداع والانطلاق والحيوية …” بحسب مصطفى حجازي. فقد حُرم بعض أطفالنا من المدرسة، وتوجه إبداعُهم نحو التطرف والعنف والتمييز الطائفي والفئوي.

إن ما يعانيه الأهل من فقر وتهميش وضيق في ممارسة الحياة؛ ينعكس على الطفل بشكل مباشر وملموس، فهؤلاء الأهل ليس في مقدورهم اتباع الطرق الصحيحة في التربية، وبعضهم لا يستطيعون إرسال أولادهم إلى المدارس، والدولة تغض الطرف عن هذا وذاك، بل هي غائبة عن حاجات الناس الأساسية، ناهيكم عن أمنهم وسلامتهم. قد يقول قائل إن التعليم مجانيّ يتساوى فيه الطفل الغني بالطفل الفقير، إذا كان التعليم مجانيًا؛ فاللباس المدرسي المفروض على التلاميذ ليس بمجاني، والحقيبة والقرطاسية وسائر مستلزمات المدرسة ليست مجانية، إنها منهكة ماديًا في هذه الظروف القاسية، ومذلة معنويًا لمن يستدينونها؛ لذلك يلجأ الأهل -بكل أسف- إلى تشغيل أطفالهم وعدم إرسالهم إلى المدارس.

فمتى نتجه نحو المستقبل؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق