أدب وفنون

جندي على حافة السطح

في سرِّه، وبحنقٍ حاد، شتم بكلمات بشعة إله الضجر.

كان هناك بملامحه ضبابية مثل شبحٍ، منفيًّا عن كل أنواع الكلام، ليتسلى هذا الصمت القاسي بانتهاك مزاجه لساعات طويلة، ما لبث أن زفر ثم بصق على البلاط.. إلا أنّ نصف بصقته سالتْ على بزّته ذات اللون البني الباهت.

صار الوقت عصرًا، وهو منذ الصباح الباكر منتصبٌ كأحمق في هذه الزاوية، كأنّه تمثالٌ منحوت من بلاهة وغيظ. خلف ستارٍ من الأكياس الرمليّة على سطح بناء عال يطلُّ على الساحة.

كان يراقب الساحة بمللٍ كلَّ برهة، من منظار بندقيته، لعلّ القدر يرسل له بإنسانٍ ما، فيرديه قتيلًا برصاصةٍ واحدة، ليصبح لوجوده معنى، ويرتاح قليلًا من قهقهات هذا الضجر.

لكنْ لا أحد من الناس تجرَّأ على عبور هذه الساحة، بعد أن سرى في المدينة خبرٌ فحواه أن ثمّة شبحًا داكنًا من العسكر، على سطح بناء البلديَّة، وهوايته اصطياد من يعبر الساحة. ولسوء حظِّه، كأنَّ القطط عرفت -أيضًا- بتواجده هنا، فامتنعتْ هي الأخرى عن عبور الساحة. كان قد نوى أن يقتل واحدة منها، على سبيل التسلية.

كادتْ أطرافه أن تتجمَّد بردًا، في هذا اليوم الشباطي الكئيب، من الأيام الرتيبة لهذه الحرب الطويلة.

جثا بين الأكياس الرملية التي تبدو وكأنّها قلعته الصغيرة، حنينٌ لقريته البعيدة يرسم صورًا في ذاكرته، تمنى لو أنّه يحصل على إجازةٍ لأيّام قليلة.. يرجع خلالها إلى أمَّه وطعامها اللذيذ.

انتهك صوتٌ خافت حرمة هذا الصمت الذي يلفُّ المكان من حوله، فانتصب مجدَّدًا خلف بندقيته ليتأمَّل من منظارها الساحة.. عندئذٍ لمح عن كثب عجوزًا يمشي ببطءٍ على عكَّازه.

(حان وقت العمل) قالها وهو يبتسم بخبثٍ، ثمَّ صوَّب بندقيته إلى رأس ذلك العجوز، ليطلق عليه رصاصةً واحدة جعلتْ جسده يسقط أرضًا، ودماءٌ ساخنة تنزف من رأسه بغزارة.

تلك الابتسامة الصفراء على وجهه اتسعتْ، حتى التهمتْ أغلب ملامحه الضبابيَّة، وثمّة ارتياحٌ يشوبه فرحٌ ناعم يتسلَّل إلى مزاجه، فينقذه من ضجر الساعات السابقة.

مشى وهو يرقص كأبله إلى زاوية ٍثانية من السطح حيث تبوَّل، ثم رجع مجدَّدًا إلى بندقيته.. ليتفاجأ -من خلال منظارها- بوجود شابين على مقربةٍ من ذلك العجوز، يحاولان بخوفٍ انتشال الجثّة على عجل.

وهو يضحك، أطلق رصاصتين، بندقيته أيضًا ضحكتْ.. فهي لم تعمل منذ وقتٍ طويل، حتى كادتْ أن تنسى المهمّة التي خلقتْ من أجلها، لتتكوَّم الجثتان الجديدتان فوق القديمة بشكلٍ عشوائي، يليق بهذا الموت الفوضوي، قتلُه لأولئك الثلاثة جعلَه يشعر بالسعادة، وثمَّة معنى واضح يكحل عيني وجوده هنا.

أشعل سيجارة وعبَّ منها بغبطة، ثمَّ تأمَّل ثانيةً الساحة والشوارع التي تصبُّ بها كأنهارٍ صغيرة، جال بنظره على الأبنية القديمة التي تطل عليها، لا شيء في هذه الأمكنة سوى الفراغ والصمت.

لبرهة انتابه إحساسٌ بأنّه ملكٌ من ملوك العصور الوسطى، وهذه الساحة ذات الأبنية المهجورة، هي مملكته الجميلة، فبسط ساعديه ثم أسدل جفنيه وهو يرفع رأسه للأعلى، ليستنشق الهواء البارد بنشوةٍ عارمة هزَّتْ كيانه وأنعشتْ له كل خلايا جسده و…

شيءٌ رطبٌ بلَّل جبينه فمسحه مستغربًا بأصابعه، عندئذٍ اكتشف أنّ عصفورًا ما قد تبوَّل عليه. علتْ شتائمه في الجو، وراحتْ النشوة تتبخّر من روحه وكأنّها لم تكن، وعلى ملامحه انفجر غضبٌ هائل من ذلك العصفور الذي عكَّر عليه نشوة نادرة الحدوث. مال إلى بندقيته وشرع -عبر منظارها- بالبحث عن هذا العصفور، ليهديه رصاصةً ثمن برازه، وبغيظ ظلّ يبحث عنه لدقائق، لكنّه لم يعثر عليه، بينما شتائمه البشعة بحقِّ الطيور كلِّها، تتوالى خلف بعضها كقطيعٍ أسود اللون من حيوانات لغويّة.

لمحه صدفةً وهو يحط على كتف الجثّة الأخيرة، عضّ بمكرٍ على شفته السفلى، وهو يصوب بندقيته إلى العصفور ثم أطلق رصاصة.

تفاجأ عندما انغرستْ الرصاصة في لحم كتف الجثة، على بعد إصبعين من العصفور. استغرب كثيرًا عندما انتبه إلى أنّ العصفور لم يكترث لأمر تلك الرصاصة، وكأنّ شيئًا لم يحدث قريبًا منه، إنّما راح يتمشى بلا مبالاة على ظهر الجثّة وكأنّه في مشوارٍ رومانسي.

أغاظه كثيرًا هذا العصفور، فأصرَّ على أن يجعله الجثَّة الرابعة، صوَّب فوهة بندقيته مرّةً ثانية إليه، ثم أطلق رصاصة، لتنغرس الثانية في ظهر الجثّة جانب العصفور.

لم يصدِّق ما يحدث معه الآن، فهو من أمهر الجنود في دورته بدقَّة التصويب، وبإصابة الإبرة على مسافةٍ بعيدة، لكن موهبته التي اشتهر بها تخونه الآن.

زمجر كوحش وهو يشعر بأنّ هذا العصفور يسخر منه هازئًا به، وقد صار ألدّ أعدائه في حياته.

للمرّة الثالثة، وبموهبته في دقّة التصويب، صوَّب بندقيته إليه، وكان وقتها قد وصل العصفور، وهو يمشي بلا مبالاة، حتى رأس الجثّة، ثمَّ أطلق عليه رصاصةٌ ثالثة مع شتيمة قذرة.

لكن، لا الرصاصة ولا الشتيمة أصابتا العصفور، إنّما اخترقتْ الرصاصة الثالثة رأس الجثّة غير مزعجة لموتها، بينما ضاعتْ الشتيمة في الهواء البارد.

وكأنّ المهلة التي أعطاه إياها لقتله قد انتهتْ، عندئذٍ طار العصفور ليحلق عاليًا حيث اختفى في الأفق.

بحث طويلًا عنه، وهو يتمنى لو أنّه يسحقه بجزمته لاستهزائه به، لكنّه عبثًا فعل.

أثناء شتائمه لهذا العصفور الذي أهانه -كما شعر- كان الليل يرخي ستائره ببطءٍ على جهات الساحة، ورذاذٌ ناعم للمطر يهطل بروية مع نسماتٍ شباطيّة باردة.

ارتعش جسده بردًا، فأشعل سيجارة وهو يلتقط من بين أكياس الرمل زجاجة نبيذٍ أعطاه إياها زميله في الصباح عند بداية مناوبته.

هو لم يشرب نبيذًا في حياته كلها، إلا أنّ زميله نصحه بشربه، لأنّه خير دواء لمرضٍ اسمه البرد. فتح الزجاجة وتجرع منها بعطش وهو يعب من سيجارته، وكان قد حشر نفسه كطفلٍ بين أكياس الرمل ليحمي جسده من مطر هذا الليل.

راق له طعم النبيذ، فكشر عن أسنانه المتسوّسة وهو يتجرَّع مجدَّدًا من الزجاجة.

على الإيقاع الرتيب لانهمار المطر، تخيَّل نفسه وهو يمضغ بأضراسه بلا رحمة ذلك العصفور، بعد أن شواه حيًّا على النار.

تجرع ما تبقى من نبيذٍ في الزجاجة، ثمَّ أشعل سيجارة أخرى، وقد أرَّقه طويلًا صفير الهواء البارد وهو يهبّ من بين الأبنية الصامتة في الساحة.

لساعة، لم ينتبه لمرورها كان يتأمَّل قطرات المطر وهي ترتطم بالبلاط، ثمَّة صورٌ جميلة لقريته البعيدة راحت تمشي في ذاكرته فتنهّد.

تأوّه وهو يراقب عن كثب وبوحشة سماء الليل الذي لا قمرَ في قبته، ولا أيّ نجمة على جسده المظلم، ثمّة دوارٌ طفيفٌ صار يلهو برأس الجندي.

أراد أن يشرب من الزجاجة فانتبه إلى أنّ نبيذها قد انتهى، لتداهمه على حين غرّة موجة عالية من الضحك، ضحك وضحك وضحك حتى دمعتْ عيناه، لم يفهم لماذا يضحك، ولا من أين جاءه هذا الضحك كله، لكنّه ضحك كمجنون، حتى كاد أن يختنق من هذه الضحكات التي ردّدت الساحة صداها.

أشعل سيجارة وهو يفكّ أزرار بزَّته، وحرارة جسده ترتفع، وقطرات العرق تسيل عن جبينه.

تذكَّر تلك الجثث الثلاث، فنهض بتثاقل ليرمي عليها بتحية، والليل يعلن انتصاف وقته في هذا المطر، لا شيء جديد حلَّ على تلك الجثث سوى أنّ ماء المطر قد بلّلها، وقاد دماءها في ساقيةٍ ضيقة وقصيرة، لتصب في تراب شجرةٍ ضخمة، عمرها عدة عقود، على بعد مترين من فوضى موتهم العشوائي.

شيءٌ ما تحرك عن كثب كما خيّل له، ثمَّ لمح بصعوبة امرأة متّشحةً بالسواد قد طلعتْ من زقاقٍ قريب، لتعبر بهدوءٍ الساحة في العتمة تحت المطر، ثم اقتربتْ بهدوءٍ من تلك الجثث.

أراد أن يطلق عليها رصاصة، لكنّه عندما أمعن النظر بها من منظار بندقيّته؛ شهق بدهشة وأطرافه ترتعش، حتى إن قلبه هوى أرضًا.. لم يصدق ما قد رآه، تلك السيدة المتّشحة بالسواد كانت أمّه.

رفع رأسه عن بندقيته ثم وقف وهو ينظر إليها، ولسانه في حلقه يتلعثم بكلمات غامضة.

هتف بها في صمت الليل، لكنّها لم تعره أدنى اهتمام وكأنّها لم تسمع صوته، لمح في عينيها كراهيةً هائلة له، شعر بغصّةٍ في حلقه ورقبته تكاد تختنق.. وهو يراقب تلك الدمعة التي سالتْ على خدِّ أمه.

أمّه انحنت على الجثث، لتحضن الأولى وكأنّها رضيعها حيث حملتها لترميها بلطفٍ على كتفها، ثمّ استدارتْ لترجع إلى ذلك الزقاق الذي جاءتْ منه.

ناداها وهو يلوّح لها بكفه كمجنون، لكنّها لم تنظر إليه، وكأنّه بالنسبة لها غير موجود.. مجرّد ذكرى قديمة ضاعتْ في ازدحام الأشياء في ذاكرتها، وكأنّه ليس ابنها.

تعب لكثرة ما ناداها فصمت، لكنّه عندما لمحها ترجع ثانية رجع لهتافه، وتوسلاته لها تعلو مجدّدًا، إلا أنّها انحنتْ على الجثّة الثانية لتحملها غير مكترثةٍ لهتافه وتوسلاته بأن تنظر إليه.

نزفتْ عيناه دموعًا غزيرة لتمتزج مع ماء المطر على وجهه، انتابه شعورٌ أنّ أمّه ما عادتْ تريده ابنًا لها، كأنّها قد نوتْ أن تصير أمًّا لتلك الجثث فقط.. ذلك الدوار في رأسه صار ينهش ككلبٍ جائع خلايا دماغه.

أسرع ليقف جوار سور السطح وهو يميل بجسده إلى الأمام، عندما رجعتْ أمه لتحمل الجثّة الثالثة، وهي لا تزال مُصرَّة على عدم النظر إليه أبدًا، ولو جمع الناس كلهم بصراخه وتوسلاته لها، وكأنّها لا تعرفه أبدًا.. وإنما هو مجرَّد كلبٍ ينبح على طرف طريقٍ ما.

ترجاها بشكلٍ هستيري وبألم فظيع مزَّق له روحه أن تنظر إليه، لكنّها حملتْ -كما فعلتْ سابقًا- الجثّة الثالثة، واستدارتْ لتمشي بهدوءٍ إلى ذلك الزقاق.

كانتْ تبتعد ببطءٍ مع الجثة الثالثة وصدى توسلاته يصفع روحه فيدميها أكثر. روحه التي تهشمتْ تحت ثقل تجاهل أمّه له.. عندئذٍ، وقبل أن تدخل أمه لتختفي في ذلك الزقاق للمرّة الأخيرة، أسرع وهو يلهث ليقفز عن سطح البناء ناويًا اللحاق بها ليجثو عند رجليها ويتضرّع لها أن تسامحه و…

هوى جسده ليسقط من أعلى البناء حيث ارتطم بالرصيف، فتناثرتْ حوله دماؤه بشكلٍ عشوائي.

كخرقةٍ باليةٍ تحت المطر، حاصر البرد جثّته في عتمة الليل، سيول المطر قادتْ دماءه الغزيرة في ساقيةٍ ضيقة وقصيرة، لتصب في فوهةٍ للتصريف الصحي جوار الرصيف.

لا أحد في هذا العالم سوى البرد انتبه إلى جثّته المرميّة بشكلٍ عشوائي هنا، كشبحٍ ضبابي الملامح.. فوق الرصيف، على بعد أمتارٍ قليلة من ثلاث جثث، متكومة بعضها على بعض، في عناقٍ دافئٍ وطويل.

وحده ذلك العصفور، عاد فانتبه إلى جثة القناص.. حطّ عليها ليمشي فوقها بهدوءٍ، وكأنّه في مشوارٍ رومانسي.

  • اللوحة للفنان السوري دلدار فلمز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق