سلايدرقضايا المجتمع

عندما تتحول حياة السوريات في المخيمات اليونانية إلى كابوس دائم

ظن المئات من اللاجئين السوريين الذين وطأت أقدامهم جزيرة (لسبوس) اليونانية، الواقعة على بعد ثمانية كيلومترات فقط من الأراضي التركية، أنهم اقتربوا من أبواب النعيم الأوروبي وباتوا قاب قوسين منه. لكن الواقع ينبئ بعكس ذلك تمامًا، فالحياة هناك ليس لها علاقة بأي شيء يمت بصلة إلى الإنسانية، حيث يعيش أكثر من 6000 آلاف لاجئ سوري، في عدة مخيمات عشوائية منتشرة في (ليسبوس) اليونانية، ولعل مخيم (موريا) هو أكثرها سوءًا وانعدامًا لكل أنواع الخدمات، حتى إن وسائل الإعلام باتت تطلق عليه لقب “غوانتانامو”، بسبب قساوة العيش فيه.

(بدر الدين) لاجئ سوري من مدينة الرقة السورية، وهو أحد الذين تقطعت بهم السبل في مخيم (موريا) منذ سنتين، يقول في حديث إلى (جيرون): “الحياة هنا أشبه بعملية موتٍ تتكرر كل يوم، نحن مهمشون ومنسيون.. لا أحد يقدّم لنا أبسط حاجاتنا الأساسية كالطعام والرعاية الطبية، فضلًا عن أن القمامة منتشرة في كل أرجاء المخيم، حتى بتنا نشعر بأننا نعيش وسط مكبّ كبير للنفايات، وهذا كله طبعًا يسبب العديد من الأمراض، خاصة للأطفال”.

 

لم يتوقع (بدر الدين) أن تطول مدة إقامته في مخيم (موريا) سنتين، وكان يعتقد أنه سيُنقل إلى البلد الأوروبي المضيف، حال انتهاء التدقيق من أوراقه، ولكن أشهر الانتظار توالت تباعًا، وأفقدته أي أمل بالخلاص من بؤس العيش في المخيم. وأضاف: “تقدّمت بطلب اللجوء إلى مكتب المفوضية الموجود في اليونان، منذ سنة ونصف، لكن موعد أول جلسة للبتّ في وضعي لم يُحدد حتى الآن. لو أنهم أعطوني موعدًا ورفضوا طلب لجوئي وأعادوني إلى تركيا؛ لكان الوضع أخف وطأة عليّ، من الحال التي أعيش فيها الآن”.

وللنساء اللاجئات في المخيمات اليونانية، حصة كبيرة من المعاناة، سواء من حيث نقص الخدمات الطبية والمعيشية أو والمضايقات اللفظية والانتهاكات الجسدية، حيث وصف تقرير أصدرته (منظمة العفو الدولية) منتصف الشهر الماضي، حياة النساء والفتيات، في العديد من أماكن الإقامة العشوائية، في أثينا والمخيمات المنتشرة في الجزر اليونانية، بأنها “كارثية”، مطالبة العالم بالتحرك السريع، لإنهاء مأساتهن وتغيير أوضاعهن، من تلك المحفوفة بالمخاطر إلى أخرى تتناسب مع أبسط حاجاتهن كنساء.

غياث الجندي، صحافي سوري بريطاني، وهو أحد الذين زاروا مخيمات الجزر اليونانية عشرات المرات، بهدف مساعدة اللاجئين وإيصال صورة معاناتهم للعالم، قال لـ (جيرون): “تعيش النساء السوريات، في مخيم (موريا) تحديدًا، ظروفًا صعبة للغاية، سواء بسبب نقص الحاجات الأساسية التي يحتاج إليها جميع اللاجئين كالرعاية الطبية والنفسية، أو في الأمور التي تتعلق بالنساء على وجه التحديد، كانعدام الخصوصية، وذلك بسبب تلاصق الخيم، وإقامة أكثر من عائلة في خيمة واحدة، وهذه مشكلة كبيرة للغاية”.

أضاف الجندي: “معظم النساء يتعرضن للتحرش الجنسي، والكثير منهن تحدثن عن خوفهن من الذهاب إلى الحمامات العامة المشتركة، بخاصة في الليل؛ الأمر الذي يضطرهن في كثير من الأحيان إلى قضاء حاجتهن في علب فارغة، داخل الخيمة التي لا تتوفر فيها أيّ خصوصية. ولكم أن تتخيلوا صعوبة هذه الحياة!”. وتابع: “حتى الحمامات العامة سيئة للغاية، من حيث النظافة وعدم توفرها بأعداد كافية، حيث يوجد حمام واحد لكل 75 امرأة، معظمها في حالة سيئة، وليس هناك أقفال على أبوابها، لتتمكن النساء من إغلاقها من الداخل، لذلك نجد أن هناك حالة رعب لدى النساء من فكرة الذهاب للحمامات، خاصة في الليل، لأن أي شخص يمكنه أن يفتح الباب عليهن ويتحرش بهن”.

أشار الجندي إلى مشكلة أخرى، تعاني منها بعض النساء السوريات في مخيم (موريا)، وهي خوفهن من البيئة المحيطة بهن التي يشوبها كثير من الانغلاق وإطلاق الأحكام الجاهزة عليهن، بحجة العادات والتقاليد المجتمعية. وقال: “انعكس تعدد واختلاف البيئات التي أتى منها اللاجئون انعكاسًا سلبيًا على العديد من الفتيات والنساء، فعلى سبيل المثال، هناك كثير من النساء اضطررن إلى ارتداء الحجاب، بسبب تعرضهن لمضايقات وهجوم لفظي، من بعض اللاجئين الذكور الذين يحملون فكرًا دينيًا متعصبًا”.

بحسَب تقرير (منظمة العفو الدولية)، تشكل النساء أكثر من 60 في المئة من نسبة اللاجئين الواصلين إلى اليونان، خلال عام 2018، ووصفت عدة نساء حوامل، لمنظمة العفو الدولية، كيف اضطررن إلى النوم على الأرض، ولم يحصلن على رعاية طبية تُذكر في أثناء الحمل، وما قبل الولادة. وتواردت أنباء للمنظمة عن أن امرأةً وضعت طفلها في خيمة بمخيم (موريا)، من دون أي مساعدة طبية.

وأشارت (آمنستي) إلى أن “الافتقار إلى المعلومات، وعدم توفر المترجمات الإناث، يُعتبران من العقبات الرئيسية التي تحول دون الحصول على الخدمات الأساسية، من قبيل مرافق الصحة الجنسية والإنجابية أو المساعدة القانونية”.

وعلى الرغم من إطلاق العديد من النداءات، من قبل (العفو الدولية) والعديد من المنظمات الإنسانية، ما تزال الأوضاع في مخيمات البر اليوناني متردية. وفي هذا العام، أعيد فتح ثلاثة مخيمات، كانت قد أُغلقت في السابق لأنها اعتُبرت غير صالحة للسكن، وذلك بسبب نقص أماكن الإقامة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق