تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

غير بيدرسون بين مدرستين: عنان ودي ميستورا

ما الذي ينتظر المبعوث الجديد للأمم المتحدة غير بيدرسون من ملفات ومهمات؟ شغل هذا السؤال الحيز الأكبر في خبر تعيين بيدرسون مبعوثًا خاصًا للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية. أمام بيدرسون اليوم مدرستان خاضتا في الحل السوري: مدرسة كوفي عنان، ومدرسة ستيفان دي ميستورا، ومنذ أن بدأ عنان مهمته واضعًا النقاط الست، كرؤيةٍ للحل وسط صراع روسي – أميركي، أو بالأحرى كانتظارٍ لنضوج صفقةٍ ما بينهما، كان قد قرأ الملف واضعًا في الحسبان مطالب الثورة، وحقوق الشعب السوري في أن يقرر مصيره، فلم يتطابق ما جاء به مع رقعة الصراع الذي كانت الدول تستعدّ لخوضه وخاصة الروس، وهكذا استقال عنان لأنه كان وفيًا لمبادئه، ورأى أن الأمر صراع ينتظر صفقة، لا دول تريد أن تضع حلًا أو تصنعه.

ما ميّز الأخضر الإبراهيمي، الذي خلف الراحل كوفي عنان هو إصراره على توافق دولي، أتى بالحد الأدنى ببيان جنيف الذي اعتمد طريقة الغموض المُبدع، وصاغ البيانَ معتمدًا على أُسس سلفه الستة، ومنذ ذلك الحين، تواجه القضية السورية حركات متعاكسة متضادة تصنعها المصالح الدولية المتضاربة. كانت خطة عنان متلائمة مع فحص ميداني، وجد فيه عناصر الحل المتناسقة، والمتسقة مع القانون الدولي، وليس مصالح الدول المتصارعة على منطقةٍ تُعدّ أخطرَ مناطق الصراع الدولي، وملتقى مصالح دولية جيوسياسية.

على إثر بيان جنيف، انعقد مؤتمر جنيف الأول، وحاول الأخضر الإبراهيمي تحقيق اختراق فيه، لكن حائط المصالح المتشابكة كان سميكًا جدًا، ففشل المؤتمر، وظل بيان جنيف مادة للسجال، والتفسير المتبادل بين الغرب عمومًا وروسيا ظاهرًا، ولكن في الحقيقة كان صراع المصالح الدولية في طور جسّ النبض.

استقال الإبراهيمي، وتلى استقالته مجيء دي ميستورا، الذي لحظ تشابك مصالح الدول المنخرطة في الأزمة السورية -الثورة- وقد وصل إلى حد الاشتباك المباشر، وكان دي ميستورا مُنفّذًا محترفًا لتفاهمات كيري – لافروف، التي لزمت الملف السوري للروس، وكان “الجنرال الروسي” دي ميستورا حاضرًا في كل تفصيلٍ في الرؤية الروسية، وبينما كانت عين الولايات المتحدة “أوباما” على الاتفاق النووي، وتنتظر بيع الملف للروس مقابل تسهيلات وضغوط على إيران لإنفاذ الاتفاق.

تغيّرت خارطة الحل، وأصبح لدينا قرارات دولية ذات قراءات متعددة: القراءة الروسية والأميركية والأوروبية، واصطدم التقسيم المرحلي والزمني لخارطة الحلّ، بعوائق المصالح وبعدها إحلال الوجود المباشر العسكري بدلًا من الاشتباك السياسي، حيث افتتح التحالف الدولي بزعامة أميركا حرب (داعش) في سورية، في أهداف بدت واضحة لدى الروس، الأمر الذي لم يتأخر الروس في الرد عليه، فنزلوا إلى الميدان بثقلهم العسكري كله بعد تهاوي حلفائهم في المعارك: إيران و(حزب الله) والنظام، وبدا للوهلة الأولى أن صراعًا حقيقيًا في وجهه العسكري بدأ، لكن سرعان ما تكشفت خارطة السير التي ستقود إلى المراحل التالية، فاتفاق كيري – لافروف الذي قسّم سورية إلى شرق النهر وغربه -النهر هنا وتاليًا هو نهر الفرات- هو الذي سوف نراه يقود الحل، مع إضافات من كلا طرفي الاتفاق.

يُعدّ مؤتمر فيينا المحطة الفاصلة، إذ إن إيران حضرت على طاولة التداول مع الغرب، ثم صدر القرار 2254 الذي تولّت كلٌّ من أميركا وروسيا تفسيره، وفق منطق مصالحها، كما أن إعادة سيطرة النظام على حلب كانت أيضًا مرحلة فاصلة لجهة تنفيذ تفاهمات متعددة تركية روسية إيرانية أميركية روسية أوروبية، عبر مسارات أستانا التي افتتحت عهد الترويكا التركي والإيراني والروسي، الذي تصدّع مع بروز اتفاق روسي – تركي في سوتشي، بعد فشل الترويكا.

وفق كل ما تقدّم من تطورات أدت نتائجها إلى صياغة مجموعة من التفاهمات والاتفاقات، صاغت تصورات عن مراحل الحل النهائي، وإن رأينا بعض الخلافات التي قد تعصف بهذه التفاهمات، فإنها لتحسين شروط الأطراف لا أكثر، ولا تؤدي أبدًا إلى الإضرار بجوهر الحل المرسوم الذي يخرج تمامًا عن منطوق القرارات الدولية التي رسمت حلًا متناسقًا مع صيرورة الأشياء ومتماشيًا مع القانون الدولي، ولكن أغفل في عملية تقسيمه إلى مراحل وتزمينه أي توافقات دولية أو تعارضها.

بعد وصول دونالد ترامب إلى السلطة، كان بوتين يُعوّل على صداقة معه، وعلى آرائه التي أعلنها في حملته الانتخابية، وما شابها من اتهامات بالتدخل الروسي فيها، لكن ما حدث هو العكس تمامًا، إذ إن هذه الاتهامات وضعت ترامب تحت ضغط التخلص منها؛ فأظهر نفسه بأنه يختلف عن أوباما في ضربة الشعيرات، وما تلاها من الضربات التي كانت رسائل سياسية أكثر منها وسائل حربية، ولم توات رياح ترامب سفن دي ميستورا، على الرغم مما بذل من جهود، لكي يلتف على كل القرارات الدولية وما تلاها من رعايته لعمليات التهجير القسري، التي تلت كل عملية عسكرية وحشية، مستغلةً الظروف التي أحاطت بالإدارة الأميركية، فكان العام الأول من فترة ترامب الذي كان يريد التمايز عن سلفه ولكنه يفتقر إلى الاستراتيجية، وكان فريقه الرئاسي يتهاوى تحت ضربات التحقيقات بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية، لكن سرعان ما تسارعت خطوات ترامب بتغيرات جوهرية في الفريق الرئاسي؛ إذ عيّن مايك بومبيو رجل (سي آي إيه) على رأس الخارجية، وجون بولتون على رأس الأمن القومي، واختار جيمس جيفري للملف السوري؛ فاكتمل عقد الصقور في كل هذه التغيرات، مع إعلان استراتيجية محددة للملف السوري، وخروج تحالف المجموعة المصغرة التي طرحت “اللاورقة” مقابل سوتشي ومخرجاته، كل هذه الأجواء لم تكن أجواء دي ميستورا، وشعر بأن الطريق أصبح أكثر وعورة للمضي بالأجندة الروسية التي تولى تنفيذها بنفسه.

في خضم الترشيحات لخلافة دي ميستورا، أتت أربعة أسماء، كان لدى الأميركيين فيتو على اثنين منهم، والروس على اثنين آخرين؛ ما يعكس مدى الاهتمام الأميركي بأن لا يكون المبعوث الدولي من حصة الروس، أو ميالًا لرؤيتهم، فجاء اسم غير بيدرسون كحل توافقي بين الأسماء.

بالعودة إلى سؤال البداية: ما الذي ينتظر الرجل وهو بين مدرستين: مدرسة عنان ومدرسة دي ميستورا، وسط إعلان واضح للإدارة الأميركية عن عزمها خنق إيران وإخراجها من سورية، وسيطرة الأميركيين على سورية المفيدة أكثر (النفط، الغاز وسلة الغذاء)، وتقارب حذر أميركي – تركي، وبحث أوروبا عن مكان في الحلول المطروحة بعيدًا عن الحل الروسي الذي لا يشكل رؤيتها، إنما ضمن المجموعة المصغرة التي نضجت رؤيتها، وقررت مواجهة الروس في طرح الحلول وعدم تركهم منفردين بالحل؛ فهل في جعبة الدبلوماسي الجديد الذي كان أحد مهندسي (اتفاق أوسلو) توافقٌ، يجمع الرؤى الدولية ويوافق المصالح الدولية، وما هي حصة السوريين من هذا الحل وكيف؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق