هموم ثقافية

الخطاب البديل

ربما من الصعوبة بمكان تحديد مفهوم الخطاب الثقافي أو السياسي أو حتى الاقتصادي الآن، أو على الأقل إحاطته بتعريف يحدده كقيمة معرفية وشكل قابل للحصر.. ظروف وأشكال اتصالية جعلت الخطاب أي خطاب مفككًا أو مشظى.

ما يعنينا هو الخطاب المعرفي، الذي تهتدي منه وإليه الناس، في تأسيس عقد اجتماعي للبنى الفوقية لسلوكها، ومعاملاتها الأخلاقية والمرجعية للحياة، بتنوعاتها الهائلة والمتعددة.

وما يعنينا بمفهوم الخطاب البديل، ليس مفهوم التجديد لما مضى وحسب، بل بناء خطاب قابل للحياة، وقابل لرفد الحياة بإمكانية العيش المشترك، وبناء السلام الاجتماعي، وتشكيل فكرة جديدة عن الحياة خارج منظومات التخلف والعنف واللحاق بركب البشرية.

مضت قرون على الخطاب الاجتماعي والثقافي، وهو يراوح بين فكرة الخرافة التي لم تسعفها الفلسفة، ولا حتى الأسطورة ولا العلم، لم تسعفها من نفي نفسها وجلوسها على رفّ التاريخ بدل أن تسير في عقول الناس مستبدة وكأن لا شيء غيرها، الخرافة هي التشويه المتعمد للأسطورة وللتراث الفكري العام.

في ظل تعدد وسائل وأدوات المعرفة من مدرسة وجامعة وميديا بالصوت والصورة؛ تفكك الخطاب الفكري والثقافي، حيث أصبحت الجوامع بين الناس على الهامش، واحتلت الخلافات قبل الاختلافات كل متن. أسئلة وجودية تنشأ لم يسبق للعقل الجمعي أن تخلى عن نفسه، كما يحدث الآن.

خطابات فكرية وثقافية مشتتة مشظاة، لا يجمعها سوى الخرافة والاستبداد، الخرافة تنتقي من التراث والتاريخ ما يبقيها حية في أذهان الناس، والاستبداد يفعل كما تفعل الخرافة، على الاستعانة الدؤوبة، من التاريخ الانتقائي. كلاهما يحذر من الجديد والتقدم، وكلاهما يبني أعداء مفترضين، كي تعتلي الخرافة والتراث الميت سدة العقل، والبنى الفوقية للمجتمع، والاستبداد يسيطر على البنى التحتية وعلى السلاح والثروات الاجتماعية، ويصبح التجديد عند أهل الخرافة تجديف وكفر، وعند المستبدين خيانة وتمرد.

المهم منع خطاب بديل يحاكي الحياة والتطور، ويشارك العالم الرفاه والحرية والكرامة والتفكير.

يسأل كثير من الشباب الآن: هل نحن نعيش على كوكب آخر؟ ما الذي يمنعنا من تحقيق خطاب بديل متجدد عن الخطاب الوعيوي والثقافي القديم، القديم الذي يسترجع التاريخ -التاريخ الزائف طبعًا- في كل لحظة وكل مثال، ومع أننا نستعمل كل جديد ومتطور كأدوات مادية ملموسة، ما الذي يجعل البنى الفوقية (فكرية ثقافية) منعزلة عن الاستخدام اليومي للتقدم التكنولوجي والعلمي، وكأن أدمغتنا على جسد وأيدينا وأرجلنا على جسد آخر.

هل من الممكن أن نقتنص الفرصة التاريخية، لنخلق شرق أوسطنا الواضح المعالم والجغرافيا والوحدة الثقافية واللغوية، كشرق أوسط جديد وآمن، وحلقة وصل معرفية بين الشرق والغرب، ونكون جزءًا حقيقيًا، من الكون؛ حيث لم يعد هناك شرق أو غرب في التقدم.

من المستحيل أن يحدث ذلك من دون خطاب فكري ثقافي جديد.

هذا التمسك بالخطاب القديم جعلنا ضحايا وقاتلين في ذات الوقت، متخلفين ومتقدمين في آن، وجعلنا بنية اجتماعية تستطيب التطرف من أي نوع كان (ديني سياسي/ ثقافي/ اجتماعي).

لا يمكن مقاومة أو محاربة أو نفي أو هزيمة الفكر المتطرف، الديني وغير الديني، إلا بخلق فكر بديل، فكر علمي، قابل للحياة والاندماج مع حركة تطور الكون من حولنا.

السخرية من الأفكار المتطرفة والرد عليها بأفكار أكثر سذاجة، من دون طرح الخطاب الفكري العلمي البديل، تضحكهم قبل أن تضحكنا، هي طريقة فاشلة، وربما تعزز الفكر المتطرف ذاته.

العمل والتعليم وإقحام الثقافة والفن بالفكر العلمي، وتحريض مكثف على ملاحقة وتبني أفكار النهضة العالمية العلمية، يتم تأسيسها من خلال مراحل التعليم المبكر، وجعلها منهج تفكير -أي الأفكار العلمية- وفي الفنون بشتى أنواعها أيضًا.

الشرق الأوسط الجديد الديمقراطي، الذي من الممكن أن ينافس العالم، لا يحدث على يدي قائد فرد، ولا بملياراته وشبيحته، النهضة تنشأ على الأسس الإنسانية، من ديمقراطية وتشاركيات في الحكم، وهذا يتطلب الخطاب البديل الديمقراطي الإنساني، ولن يحتاج ذلك إلى اختراع العجلة من جديد، فتجارب الكون بين أيدينا ونستطيع التشارك مع هذا الكون، لنكون جزء منه.

نهضة العقل بأن تؤسَسَ بنى من الثقافة والفن وتحويل الإغداقات من رصيد المضاربات والبورصات وغيرها، إلى دور البحث، والجامعات، وتفريغ المبدعين والباحثين برواتب ومكافآت مجزية.

النهضة عبر التاريخ، قام بها علماء وفنانون وفلاسفة، وهم الذين انشؤوا الخطاب البديل المتجدد القابل للحياة، وليس السماسرة ومتعهدي الأبراج والكباريهات السياسية وزعماء الطوائف والعمائم والكلاب الضالة.

النهضة، هي تغيير المناهج التعليمية، ونشر الفكر العلمي وكسر المقدس عن الموروث والتراث، وإعمال العقل، وإنهاء أفكار النقل من معتقدات أكل عليها الزمن.

النهضة هي الحرية والكرامة والخلاص من المستبدين والقضاء على رعونة الحاكم الأهوج.

كل ذلك لا يحتاج إلى حاكم يحلم بأن يكون بطلًا من ورق، ودولارات وبراميل متفجرة على رؤوس الناس!

إنما يحتاج إلى صرخة عقل لم تخطر على بال.

أما السخرية وخلق صورة كاريكاتيرية عن التطرف.. بتضحيك ساذج.. أو بخطاب كراهية يشبه خطابهم للمتطرفين.. فهذا لا يفيد، بل يدعم رؤيتهم وما يبتغون.

أعتقد أن هناك أزمة حقيقية بتبني الخطاب العلمي البديل.. والذين يدعون أنهم أصحابه، هم مأزومون بالسلفية الفكرية، ومصابون بعقلية المؤامرة والعداء للتطور أيضًا. وكثير منهم حلفاء الاستبداد وما يسمى بالممانعة، وهم في الحقيقة ممانعة فكرية، دون خلق للخطاب العلمي البديل، بل هم -بإرادتهم أم بجهلهم- حلفاء للتطرف من زاوية أخرى، عليها إشارات استفهام مريبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق