كلمة جيرون

الخشبة القاتلة: تشرين الثالث

مسرح شاسع مترامي الأطراف، مساحته 185180 كم²، يمتدّ من مطار حميميم وقاعدة طرطوس البحرية، إلى صحاري البوكمال، ومن قمح حوران، إلى قمح الحسكة وزيتون إدلب.. الممثلون جوقة “وطنية”؛ تمكن “المخرج” من أن يجعل كل واحد فيها ممثلًا على الآخر، ومشاهدًا له! أصبحوا ممثلين من طراز القرود! وهو المخرج الأول والممثل الأول والمنتج الأول، والمؤلف الأول الذي لا يعتمد على منهج تطهير أو تغريب أو تفكيك؛ بل على منهج “التصحيح” وكتاب ميكافيللي (الأمير) وأكثر: “انظر إلى الغاية وليس إلى الوسيلة”… “أن تكون مهيبًا أكثر أمنًا لك من أن تكون محبوبًا”… لا تُظهر ما تبطن، لا تفعل ما تقول، لا تتخلَ عن الجزرة والعصا، كن باطنيًا غامضًا، انشر الريبة، اضرب بوحشية لبقة، دعهم يصفقون بالفطرة، اكذب، اكذب اكذب…! والعرض مستمر منذ تشرينين وأكثر!

رُفعت الستارة الأولى، منذ نصف قرن، منذ الانقلاب الأول، حتى “الأبد”، بقي مستمرًا منذ الحرب الثالثة حتى الآن، من دون توقف أو استراحة أو خلل! يموت العجائز، يولد الأطفال، يهرمون، وهم يمثلون فوق هذه الخشبة! لا يغادرون إلى بيوتهم، لا يكلّون، لا يتعبون ولا يسأمون! يعيشون “الآن وهنا”، يحلمون بـ “الآن وهناك”، يمشون بجانب الجدار، يبوسون يد التمثال ويدعون عليها بالكسر، يأكلون ويشربون ويتناسلون، ثم ينامون وهم يمثلون: كل واحد فيهم بطل، وكلهم “كومبارس”! يصفقون للوهم، يهتفون للسراب، يمدحون الخوف والدمار، يتملقون القاتل، يتحركون عن بعد ويصفقون، يتحولون إلى ظلال تتوارى خلف ظلال! نصفُهم يراقب النصفَ الآخر ويكتب التقارير، وكل منهم يمثل دور الضحية والجلاد، دور العبد والعبد! مكياجهم الوحل والرماد، أقنعتهم بلا عيون! ملابسهم أسمال اختارها القائد! الإضاءة شمس افتراضية، تشرق من تحت حذائه، نيشان معلق على ياقة بدلته، نسر ذهبي ونجوم تلمع فوق كتفيه! والديكور ركام صممته الصواريخ والدبابات ونفذه الممثلون البواسل. عرض بلا جمهور ولا مشاهدين.! المشاهدون هم المخبرون وقطاع الطرق والمرتزقة!

إنه أغرب مسرح عرفه البشر، في ساحات المدن والشوارع والمؤسسات الحكومية، في السهول والجبال والصالونات والأندية وغرف النوم والحمامات. لا أحد يعرف من كتب هذه المسرحية، وكان وراء كل شاردة وواردة فيها؛ لا نعرف كيف نسميها! وأي اسم نطلق عليها: “هستيريا”، أو شيزوفرينيا أو يوتوبيا، أو بارانويا، أم هي انسكلوبيديا “تشرين الثالث”!

رأيت على الخشبة امرأة تبيع جسدها لرجال الأمن، كي تنقذ زوجها أو ابنها من الموت! وعرفت نصف أخ كتب تقريرًا بنصفه الآخر، كي يستولي على حصته من الورثة! ورأيت قاضيًا يجلس فوق قوس العدالة، يزن الظلم بقبان حذائه، ومحاميًا لا يدافع إلا عن الشياطين، وعضوًا في القيادتين بلا أعضاء، ورأيت رهبانًا يغتصبون الأطفال، وشيوخًا نسوا الله في المسجد الأموي، ولم ينسوا حصتهم من الدنيا؛ فملأ الأنبياء أشداقهم بالليرات الذهبية، وحشا السلطان عمائمهم البيضاء بالدولارات الخضراء.. ورأيت جنرالات يسرقون جنودهم، وعاهرات شريفات، يصبحن نجمات، ولصوصًا مؤتمنين على القمح والنفط والفوسفات، وإعلاميين مهرة خبثاء، ومثقفين مأجورين، وأساتذة ينكحون التربية والتعليم… ورأيت شاعرًا كالديك، يصيح قبل الغروب! وشرطيًا ينفخ صدره وينفخ في صافرته ويشير بعصاه، وما إن يدس له السائق قرشًا، حتى يؤدي له التحية! وجلادًا يبكي، لأن الطفل الذي كان يعذبه، جمّدته الصدمة، ولم يعد يقوى على الصراخ! فيقول له همسًا: اصرخ يا حيوان! اصرخ يا بن الحرام، كي يسمع صوتك سيادة العميد.! وكثيرًا ما كان يحدث تواطؤ خفي، بينهما، فالأول يشتم ويضرب بعنف، والثاني يصرخ ويستجدي، دون ألم..

فأي تمثيل هذا، وأي فاجعة أخلاقية!؟ هل رأيتم، على أي خشبة، مأساة تشبه هذه المأساة!؟ ومتى تسدل الستارة على هذه المسرحية القاتلة، مسرحية تشرين الثالث!؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق