أدب وفنون

لو لم أكنْ كاتبًا.. لأصبحتُ كاتبًا!

قبل 71 عامًا، طرح جورج أورويل سؤالًا: “لماذا أكتب؟”، كعنوان لمقالته المنشورة عام 1946، وانتهى أورويل إلى قائمة من أربعة دوافع عظيمة للكتابة، هي: الأنانية المطلقة، والحماسة الجمالية، والدافع التاريخي، والغرض السياسي. أما في هذا الكتاب فقد وضعت مريديث ماران سؤالًا مركزيًا للكتاب، ودارت ردود مجموعة من عشرين كاتبًا في فلك الإجابة عنه، ومع كل إجابة وُضِعَت كلمات قليلة لتقديم صاحبها، ونبذة عن أهم أعماله ومراحل حياته، ونصائحه للناشئة من الكتّاب والمؤلفين. وفي هذا العرض الموجز للكتاب، اخترنا خمسة إجابات فقط لنستعرضها سريعًا، وسنترك للقارئ الكريم فرصة أرحب للاستمتاع بباقي الإجابات عبر صفحات الكتاب.

إيزابيل الليندي: الكاتبة الإسبانية التي تعدّ من رواد الواقعية السحرية، تُرجمت كتبها إلى 35 لغة، ونالت العديد من التكريمات والجوائز، تجيب عن سؤال (لماذا أكتب؟)، فتقول: “أحتاج إلى أن أروي قصة، إنه هاجس. كل قصة هي بذرة في داخلي، تنمو وتنمو، مثل ورم، ويجب أن أتعامل معها عاجلًا أو آجلًا”. الليندي عندما تبدأ في كتابة كتاب جديد، لا تملك أدنى فكرة إلى أين ستذهب، فهي فقط تريد بشكل رقيق وخفي أن تترك تأثيرًا في قلب القارئ وعقله، فالأمر عندها يشبه ممارسة الحب، تكتب لفترة تصل إلى 14 ساعة يوميًا، وتصحح ما تكتبه إلى حد الإنهاك. تعتبر الرواية دائمًا غير منتهية بالنسبة إليها، وترى أن ثمة شكلًا وأسلوبًا أفضل ينتظرها، لكنها تظل عاشقة للعفوية: “هناك سحرٌ مؤكد في ما هو عفوي، أريد للقارئ أن يشعر بأني أحكي له القصة شخصيًا”. تحمل القصة في روحها وقلبها وعقلها طوال الوقت، تستعبدها الحكاية، تريد أن تحكي قصة كي تخلق عاطفة أو توترًا أو إيقاعًا، وعلى القصة أن تبقى كمحاورة لا كمحاضرة، أما اللغة فهي أهم هواجسها.

تبدأ كتابة مؤلفاتها دائمًا في الثامن من يناير! تعتبر أن السابع من يناير هو الجحيم، لكن لماذا؟ لا أحد يعرف السبب، ومن اللافت أن الليندي تكتب بالإسبانية، وتترجم أعمالها إلى الإنجليزية وغيرها من اللغات، لكنها بشكل مثير تتفحص أعمالها المترجمة إلى الإنجليزية سطرًا سطرًا: “عندما أجد كلمة لا تتطابق مع المعنى الذي كنت أرمي إليه، أستعين بالمعجم، فمن المهم أن أجد الكلمة التي ستخلق الشعور أو تصف الحالة”، فهي تحاول دائمًا أن تكتب بشكل جميل ونافذ. وعلى الرغم من تاريخها ونتاجها الطويل، فإنها ما زالت تعتبر أن العام 1981، هو أفضل وقت كتبت فيه أدبًا، حيث روايتها الأولى. تكتب بلا ضغوط ولا أمل في النشر، بل لم تكن تعتبر نفسها كاتبة بالأساس، لم يكن لديها أي توقعات، فقط كانت تكتب بكل حرية!

ديفيد بالداتشي: هو أحد أشهر كتّاب الولايات المتحدة، كان موضع ثناء ومدح من رؤساء أميركا الذين عاصروه على اختلاف اتجاهاتهم، بيل كلينتون وصف كتاب بالداتشي (الحقيقة البسيطة) بأنه كتابه المفضل عام 1999. في حين اعتبر جورج بوش نفسه أنه المعجب الأول في هيوستن لكتابات بالداتشي. يؤمن بالداتشي بأن الشيء الذي أثار القارئ قبل عشر سنوات ليس بالضرورة ما يُثيره اليوم. بالداتشي الذي يحمل شهادة في القانون من جامعة فيرجينيا. يعتبر أن أفضل رواياته هي تلك التي كتبها إبّان فترة عمله محاميًا “أتعلمون من يفوز في المحكمة؟ الموكل الذي يمثله محامٍ يروي قصصًا أفضل من المحامي الآخر، أما أهم نصائحه للناشئة من الكتّاب هي “سواء كنت تكتب رواية أو رسالة لوكيل محتمل.. الأقصر هو الأفضل”. ويليام غولدمان الذي كتب سيناريو (السلطة المطلقة) لبالداتشي، أعطاه نصيحة لا يمكنه نسيانها: “اكتب كل شيء كما لو كان أول شيء تكتبه في حياتك. فاليوم الذي تعتقد فيه بأنك تعرف كيف تفعل ذلك، هو اليوم الذي تنتهي في حياتك ككاتب”.

في إجابته عن سؤال “لماذا أكتب؟”، يقول بالداتشي: “لو كانت الكتابة جريمة؛ لكنت الآن في السجن، لا يمكن إلا أن أكتب، فالكتابة قهرية، عندما تأخذ الجُمل والقصة في التدفق، تكون الكتابة أفضل من أي مخدر، فهي لا تجعلك تشعر بالرضا عن نفسك وحسب، بل تشعرك بالرضا عن كل شيء”. بالداتشي المسحور بعالم الكتابة منذ طفولته يقول إنه كان يقصّ قصصه على أي شخص يُريد أن يسمعها، وعلى كثير ممن لا يريدون ذلك أيضًا! لذلك أعطته والدته دفترًا بصفحاتٍ فارغة، كي تحاول إسكاته، وطلبت منه أن يشرع في تدوين قصصه بدلًا من حكايتها على مسامع الآخرين. ومن هنا بدأت سفينته في الإبحار في عوالم الكتابة وصار من المشاهير، وعلى الرغم من ذلك يقول: “في كل مرة أبدأ مشروعًا جديدًا، أجلس مرتعبًا حتى الموت، من احتمالية عدم قدرتي على استجلاب السحر مرة أخرى”. لكنه مع كل النجاح الذي حققه والأموال التي ربحها من الكتابة، يحسد نفسه على ما كان عليه قبل عشرين عامًا، حيث كان يجلس قرير البال في قوقعته من دون طرقٍ على بابه، ودون أن يكون قلقًا بشأن الجولات الكتابية أو مبيعات الكتب أو الرسميات والرحلات الدعائية لمؤلفاته.

سو غرافتون: نشأت في منزل يعتبر القراءة وحُبّ الأدب جزءًا مهمًا من الحياة اليومية لقاطنيه، فهي ابنة كاتب الروايات البوليسية “سي. دبليو. غرافتون”، وبينما كانت تكبُر.. كثيرًا ما تحدث والدها عن عملية الكتابة بمحبة، فتشكل وعيها الثقافي قبل أن يخطر ببالها أنها ستكتب ذات يوم، وتصبح علامة تجارية ب- 25 رواية مسلسلة، ومترجمة إلى 26 لغة، بخلاف المجموعات القصصية والكتابات الأخرى، من المثير في رواياتها أنها مسلسلة في عناوينها من حرف ال-A حتى حرف ال- V، لدرجة أن الملايين من قرّاءها تمنوا لو تُضاف أحرف أخرى إلى الأبجدية كي تستمر السلسلة وتطول. رفضت “غرافتون” أن تبيع حقوق رواياتها لمُنتجي الأفلام، بل هددت أبناءها بأنهم إذا فعلوا ذلك؛ فستطاردهم بعد وفاتها. عندما توجيه السؤال لها “لماذا أكتب؟”، كانت الإجابة المبدئية عفوية وعميقة: “أكتب لأنني في العام 1962، قدمتُ طلبًا للعمل لدى سيرس في قسم الأطفال، ولم يُعاودوا الاتصال بي قط!، أكتب لأن هذا هو كل ما أُتقن فعله”.

تعتبر غرافتون أن الكتابة هي مرساتها وغايتها، وبالرغم من أنها عمل مرهق مشوب بالتوتر فإن فحياتها تتثقف بالكتابة، سواء كان العمل يسير بشكلٍ جيّد، أو كانت عالقة في جحيم حبسة الكاتب. تعتمد في كتابتها على التجربة والخطأ بشكلٍ كبير، تطارد الاحتمالات التي تتلاشى، فتبدع قصصًا وسرعان ما تهجرها بالكامل؛ إذ يتضح لاحقًا أنها لا تصلح. ترى أن كُتّاب قصص الغموض هم جراحو الأعصاب في الأدب، أو ربما سحَرته، وذلك لأنهم يعملون بخفة اليد وتؤمن بأن تعلُّم الكتابة يأتي عن طريق التعلُّم الذاتي، وإتقانها يحتاج إلى سنوات، تقول يودورا ويلتي: إن “كل كتاب يلقنك الدروس اللازمة لكتابته”، لكن غرافتون تضيف على ذلك “المشكلة هي أن الدروس التي نتعلمها من كتابة الكتاب، قلّما تفيد في كتابة الكتاب القادم”.

تيري ماكميلان: عندما أصدرت روايتها (بانتظار أن أزفر) في عام 1992، باعت أكثر من سبعمئة ألف نسخة في سنتها الأولى، لكن عندما ظهرت نسخة الفيلم المأخوذة من الكتاب في عام 1995، باعت أكثر من مليوني نسخة. كانت تلك البداية الحقيقية لفتح بابًا مغلقًا ظنّه الكتاب الأفارقة من شدة اليأس لن يُفتح، لقد تبدلت فكرة دور النشر عن أدب الخيال للأميركان الأفارقة. أثبتت ماكميلان أن النساء السوداوات يشترين الكتب التي تعكس حيواتهن الحقيقية. تعريف الرواية عند ماكميلان أنها كالحياة، عبارة عن مجموعة من العُقد، وجَودةُ هذه الحياة تعتمد على كيفية قيامك بحلِّ تلك العُقد، فالكتابة عمومًا بالنسبة إليها أمرٌ في غاية المتعة “كما لو كنتَ تجري لعدة أميال، ذاك الإحساس الذي تشعر به عندما تنتهي”. تقوم بهذا الأمر بنفس الطريقة التي قام بها تشيخوف، وهمنغواي، وفيرجينا وولف: “إنني أخبر بقصصي عن عالمي أنا، في وقتي أنا، وبصوتي أنا، أنا لا أضع طلاء على قصصي، وأعطيها للقراء بنسختها اللامعة، إنني أرويها لهم كما هي”.

لكن لماذا تكتب تيري ماكميلان؟ تقول: “أنا لم أختر الكتابة؛ الكتابة هي التي حدثت ليّ، أكتب لأتخلص من جلدي الميت، ولأكتشف لماذا يفعل الناس الأشياء التي نفعلها لبعضنا البعض ولأنفسنا، الكتابة تُشعرني كما لو كنت في حالة حُبّ، أستغرق تمامًا في شخوصي التي أكتب عنها، أفقد كل إحساسي بالواقع الخاص بي عندما أشرع في كتابة رواية”. تتماهى ماكميلان مع شخوص مؤلفاتها لدرجة كبيرة جدا حد الانصهار، فعندما تقع إحدى الشخصيات في الحب، تقع هي الأخرى بدورها في الحب، وعندما يتحطم قلب أحدهم أو حتى يشعر بالبهجة؛ تشعر بذلك كله أيضًا! فقد بكت كثيرًا عندما توفيت والدة إحدى الشخصيات في رواية “وقت متأخر من اليوم”، وبالرغم من هذا الانصهار، فإنها لا تتعاطف مع الشخصيات في البدء “حتى أتمكن من رواية قصصهم، يجب أن أتمنى تعاطفًا معهم في النهاية. هذا يجعلني أستثمر نفسي –مثلي مثل الشخوص والقُرّاء– في الكيفية التي تنعطف فيها الأمور”. ماكميلان لا تقرأ المراجعات عن كتبها أبدًا.. “أنت لديك طفل، هل ستهتم فعلًا إذا أخبرك أشخاص آخرون بأنه ليس جميلًا!”.

غيش جين: بأسلوبها المتميز القائم على القوة النقية للسرد، استطاعت أن تتحدى الكتّاب الراسخين والأسطوريين في أميركا، الروائية الصينية الأصل، الأميركية من الجيل الثاني، هاجر والداها إلى الولايات المتحدة في أربعينيات القرن الماضي، نجحت بشكل بارع في نفي تصنيفها كروائية مهاجرة. وبالرغم مما حققته من جوائز ونسب مبيعات كبيرة لمؤلفاتها، فإنها ما زالت تعتبر أن الكتابة شيء سخيف، حين تفعلها لكسب المال. “إذا كتبت، فإنني أكتب للسبب الذي لطالما كتب الكتّاب لأجله، ليس المال، بل للحصول على الرضا الآخر، الأعمق”. ترى أنها مكثت فترة طويلة في مرحلة “البراءة”، أي قبل أن تعرف أن النشر عبارة عن عمل، وكتب يجب أن تُباع. لكن أي شخص يهتم بالكتابة، عليه أن يكون أكثر واقعية من ذي قبل، أكثر اندماجًا مما كان عليه في فترة “البراءة”.

في إجابتها عن سؤال: “لماذا نكتب؟” كانت إجاباتها أن “الكتابة هي جزء جوهريٌّ من وجودي في هذا العالم، فالأكل والنوم والكتابة.. كلها تسير جنبًا إلى جنب. إنني لا أفكّر لماذا أكتب، كما أنني لا أفكر لماذا أتنفس. غياب الكتابة أمرٌ سيئ، تمامًا كما هو عدم التنفس”. “جين” كانت الكتب قيّمة جدًا بالنسبة إليها كطفلة، لأن أسرتها لم تكن تمتلك الكثير منها، لم يقرأ والداها لها البتة، التلقائية والعفوية جزء أساس من منهجها في الإبداع،” دائمًا ما كانت كتابتي تلقائية جدًا، عندما أبدأ بكتابة قطعةٍ فلا خطة لدي؛ لا أتطلع إلى الأمام، وإنما أنظر إلى ما أقوم به. لاحقًا أرفع بصري وأدرك أنني هنا، على الضفة الأخرى من البحيرة، فأخمّن أن من المؤكد أنني قد قطعتها سباحة”، وتغوص في نصوصها متناسيةً عقارب الساعة التي تدور دون أن تهدأ، “عندما أكتب فأنا غير مدركة لذاتي، أجدني في شخصياتي في القصة. أعرفُ أن الكتابة تسير على ما يرام، حين أنظر إلى ساعتي لأجدها العاشرة مساء، مع أن آخر مرة نظرت فيها إليها كانت في فترة الظهيرة”. “جين” تدعم كل جهد يسخّر الكتابة للناس. لأنها تؤمن بمساعدة الناس كي يدركوا كم تثري الكتابة حيواتهم، وتشجع الكتّاب على تأليف كتب تثري حياة الناس فعليًا “لم تكن مهنتي شيئًا عاديًا قط. ممتنة للغاية لأنني هنا، وقلقة إلى أبعد الحدود بشأن الكتّاب الآخرين. أشعر وكأنني ركبتُ قاربًا غادر المرسى، حالما وضعت قدمي فيه”.

كتاب (لماذا نكتب؟) مكرّس لفكرة أن القراءة أمرٌ جيد.. غير أنّ الكتابة أفضل. وأجمل ما في هذا الكتاب، سواء في نسخته بلغته الأصلية أو نسخته المترجمة إلى العربية، هو العدد الكبير من الأسماء، سواء أكانوا كتّابًا أم مترجمين، الذين شاركوا فيه حتى يرى النور، وتنازل معظمهم عن حقوقه المادية حبًا في الإبداع، وإخلاصًا للأدب، ورغبةً في إيصال هذا الفن الرائع (فن الكتابة) إلى أكبر عدد ممكن من الشغوفين به، فالنسخة الأصلية تحوي عشرين شهادة إبداعية عن أصحابها من مشاهير الكتّاب، إلى جانب محررة الكتاب مريديث ماران، أما النسخة العربية.. فقد شارك فيها عدد من المترجمين العرب الذين تطوعوا جميعًا لترجمة نصوصه، أو كما قالت مُحققة ومُرّاجِعة الترجمة العربية بثينة العيسي إن ثمة “حالة من التفاني أظهرها المترجمون على أمل أن يساهم هذا الكتاب بشكل ملموس في ترميم الإنسان، والحد من القبح، وإضافة الجمال إلى هذا العالم”.

* كتاب: (لماذا نكتب)، تحرير: مريديث ماران، ترجمة: مجموعة من المترجمين العرب، الدار العربية للعلوم (ناشرون)، الطبعة الثالثة، مايو 2015.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق