مقالات الرأي

تغييب الصوت السوري

في الوقت الذي كان فيه مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا -كما يبين تقريره إلى مجلس الأمن- يستمع في دمشق إلى حديث وزير خارجية الأسد، حول مسألة “السيادة الوطنية” ذات الحساسية البالغة ومن ثمَّ رفضه الحديث عن أي دور للأمم المتحدة في تشكيل اللجنة الدستورية، عبر اختيار قائمة الثلث الأوسط  الذي يفترض أن تقترحه إلى جانب قائمتيْ النظام والمعارضة فيها، كان الرئيس الروسي بوتين، في قمة إسطنبول الرباعية الأخيرة التي شارك فيها إلى جانب المستشارة الألمانية والرئيسين التركي والفرنسي، يتحدث عن المسألة نفسها، أي مسألة “السيادة الوطنية” السورية، وصعوبة الضغط على النظام الأسدي في هذا المجال، هذا على الرغم من أن دور الأمم المتحدة في العملية السياسية كان أحد “تفاهمات” روسيا مع الأمم المتحدة. لم يكن ذلك نتيجة تنسيق مسبق بقدر ما كان بعض ضروب اللعب الدبلوماسي الروسي في الوقت الضائع، بعد رفض الدول الغربية الخوض في مسألة إعادة الإعمار في سورية قبل إنجاز العملية السياسية بإشراف الأمم المتحدة. وكما لاحظ كل من يتابع الحدث السوري، كان مفهوم “السيادة الوطنية” يسعف روسيا والنظام الأسدي، الذي يعمل تحت إمرتها، كلما كان الهرب إلى أمام هو المخرج الوحيد لها، حين تحشر في زاوية احترام التزامات تعهدت بها أمام المجتمع الدولي، بل ووقعت عليها، كما حدث في مؤتمرات جنيف وفيينا، أو بالنسبة إلى مقررات مجلس الأمن في الشأن السوري.

الملاحظ في هذا “التوافق” في الموقف، بين ما قاله الرئيس الروسي في إسطنبول وما قاله وزير خارجية الأسد بدمشق، أن الصوت السوري الوحيد الذي تريد روسيا إسماعه هو صوت النظام الذي تحميه وتعمل على إعادة تنظيمه وتنسيقه وتوجيهه والإعداد لمستقبله وفق مصالحها قبل موعد الحسم الأخير. سبق لروسيا أن كيَّفت خطابها حول الحدث السوري، لكي يتلاءم مع إنكارها العنيد لثورة الشعب السوري، ثم حاولت -ولا تزال تحاول حتى الآن- تفريغ كل تمثيل سياسي مناهض للنظام الذي تحميه، بعد أن عملت ونجحت -نسبيًا- في تحييد مختلف هيئاته، إثر سقوط الغوطة ودرعا على يديها. ذلك ما جعل الصوت السوري الآخر، صوت الصامتين والنازحين داخل سورية والمهاجرين واللاجئين خارجها مُغَيَّبًا كليًا. فهذه الهيئات التمثيلية، أيًّا كان الرأي في تكوين أهمها، كالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أو الهيئة العليا للمفاوضات السورية أو المجلس الوطني السوري، وأيًّا كانت أخطاء ممارساتها أو خياراتها أو تحالفاتها، كانت كلها تعلن انتماءها إلى مطالب السوريين الأولى، حين خروجهم في عام 2011، وفي مقدمتها إسقاط النظام الاستبدادي والانتقال إلى نظام ديمقراطي، مثلما كانت ترفع شعاراتهم مبادئ لها. كانت صوت السوريين الحاضر إعلاميًّا، أيًّا كانت درجة قوته، وسياسيّا في المحافل الإقليمية والدولية أيًّا كان تأثيره. ولذلك كانت المستهدف الأول لقوى الاحتلالين الأساس، الروسي والإيراني، لا من أجل تغييب صوت من تمثلهم فحسب، بل لتأكيد نظرتهما إلى الحدث السوري، بوصفه تمرد جماعات إرهابية ضد “نظام المقاومة والممانعة” تارة، أو ضد “الدولة” التي يحميها النظام الأسدي ويتماهى فيها تارة أخرى، أو تارة ثالثة، ضد “الحكومة الرسمية” التي لم تفقد شرعيتها، في نظر هاتين القوتين، ما دامت تتيح لهما تحقيق مصالحهما لقاء المحافظة على النظام القائم، أيًا كان الثمن الواجب دفعه.

مما لا شك فيه أن هذه التكوينات كانت تدرك أنها مستهدفة جميعها، وأن العمل يجري حثيثًا على إلغاء دورها، منذ أن قررت روسيا احتلال سماء سورية ثم أرضها، من أجل إنقاذ النظام الأسدي من سقوط معلن، ومن ثم إعادة تأهيله، وإرغام العالم بالتدريج على القبول به. ولكن ما الذي كانت عليه، منذئذ، ممارساتها من أجل الدفاع عن صوت الشعب الثائر الذي تصدت لتمثيله والنطق باسمه؟ وهل كانت تستجيب لضرورات الواقع الذي فُرِضَ عليها بقوة السلاح والدبلوماسية معًا؟

لم يكن النقد الموضوعي الذي كان يُوجه إلى هذه الهيئات، منذ إنشائها، خاليًا من المبررات، سواء ذلك الذي كان يتعلق بهيمنة فصيل من فصائل المعارضة عليها، بطرق لا ترقى في مستواها السياسي أو الأخلاقي إلى خطورة الكارثة التي تعيشها سورية، أو ذلك الذي كان يتناول منهج عملها على الصعد السياسية والإعلامية، أو حتى ذلك الذي كان يستهدف سلوك بعض مسؤوليها على المستوى الشخصي أو المسلكي. ومن المؤسف أن البنى القيادية في هذه الهيئات لم ترَ ضرورة للرد على هذا النقد بصورة أو بأخرى، لا دفاعًا ولا تبريرًا ولا اعترافًا. كما أنها، وهي ترى الخطر يداهم وجودها السياسي والفعلي على أيدي دولتي الاحتلال، لم تبادر إلى القيام بخطوات تستعيد بها حماية الناس الذين تصدت لتمثيلهم عبر أفعال وممارسات تثبت قدراتها وجداراتها بتمثيلهم. كما لو أنها قررت الاستسلام قبل الأوان إلى واقعها الجديد الذي أسهمت بفعلها وبممارساتها في أن تكون أسيرته على هذا النحو، أو أنها ظنت أنها استنفدت قواها ولم تعد قادرة على رؤية مختلف الإمكانات التي لا تزال قائمة داخل سورية وخارجها ولدى السوريين أنفسهم، لو شاءت أن تنصرف إلى العمل الحقيقي المجدي الذي يمكنها أن تقوم به. ولعل هذا ما جعل الثقة بها تتلاشى شيئًا فشيئا، وما حمل الناس أيضًا على أن ينفضّوا من حولها، بعد أن كانت في لحظة ما موضع أملهم.

لم يقرع أحدٌ أجراس الهزيمة؛ وليس بوسع أحد، أيًا كان، أن يعلن انتصاره، بما في ذلك روسيا. ومن الواضح الآن، لمن لم يكن يتوقع ذلك، أن كل مناورات هذه الأخيرة عبر سوتشي وأستانا، لفرض حلٍّ يكون روسيًا بدلًا من الحل الأممي، التي يبدو للبعض أنها نجحت، حتى الآن على الأقل، في تسويقه بوصفه الحلّ الوحيد الذي سيرغم الجميع على القبول به، ستؤول في أسوأ الأحوال إلى العودة بصورة أو بأخرى إما إلى تكييف الحل الروسي وفق الحل الذي نصت عليه القررات الأممية، وإما إلى العودة إلى هذه الأخيرة نصّاً وروحًا.

ومن الواضح أيضًا أن ذلك لن يتم بين يوم وليلة. إلا أن أوان الدور الرئيس الذي يمكن أن تؤديه هيئات المعارضة المشار إليها قد حان الآن، لو أنها وضعت وحدة العمل والهدف منهجًا وحيدًا لها، بصرف النظر عن الخلافات الشخصية أو الأيديولوجية أو الفكرية. هناك اليوم دعوات تصدر عن قوى شعبية عديدة من أجل عقد مؤتمر وطني عام لتقرير النظام البديل. من المؤكد أن التقاء أصحاب هذه الدعوات كلها من حول برنامج تشارك جميعها في وضعه، من أجل مرحلة انتقالية حقيقية، سيسمح باستعادة الصوت السوري المُغّيَّب من أجل التمهيد لسورية المستقبل الذي يبدو من دون شك بعيدًا، لكنه بكل تأكيد، ليس مستحيلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق