هموم ثقافية

لون جديد

لم يخرج السوريون من بلادهم وحيدين، خرجت معهم سورية التي عجزت عن “إسقاط النظام”، فراحت تبحث عن مكان آخر تولد فيه. خارج الحدود، على يد السوريين: أطفالًا وشبابًا، أمهات وآباء، إخوة وأخوات، تولد سورية لطيفة مثل غيمة لا تعرف الحدود. السوريون في الخارج يصنعون بلادًا لا حدود لها إلا في قلوب أبنائها.

في الخارج، تولد سورية أخرى، بلا حدود وبلا سلطات أمر واقع وبلا وصايات، بلا شوارع تملؤها حواجز التفتيش، وتستعمرها أبنية عمياء صلدة تحرق أعمار الأهالي وطمأنينتهم وآمالهم، وبلا أسطح تملؤها القناصات، وبلا بيوت وطرقات يسكنها الخوف والموت العشوائي. في الخارج، تولد سورية فتية، بعيدة عن الأيدي الشريرة التي واظبت على خنقها، وعن العيون الشريرة التي واظبت على زرع الرعب في عروقها. تولد سورية أخرى على يد سوريين من كل حدب وصوب، ينسجونها بكل الحنان الذي يولده القهر، وبكل الحرص الذي تولده التجارب المريرة.

تلاميذ يتوجهون إلى مدارسهم في صباحات الشمال المعتمة، يقود خطواتهم الأمل، ويحملون سورية في قلوبهم، فيما ألسنتهم تعتاد لغات العالم الأخرى. شباب يبحثون عن عناصر ومتممات لمشاريعهم الثقافية، يترجمون سوريتهم في الإبداع. مخرج شاب يحاول بموهبته أن يستخرج الألم السوري المزمن، كمن يخرج شظية من اللحم الحي. فنان يفتح أمام السوري أبوابًا تحرر الروح من ثقل الكلام الدفين. موسيقي وممثل ونحات ورسام وكاتب، يسكبون الحياة في سورية التي تطفو فوق الحدود، في سورية طليقة، مشبعة بحريتها، ملونة بالموسيقى والفن والمنحوتات والرسوم والنصوص.

في الشعور الذي يدفع سوريًا إلى السفر الطويل عبر البلدان، كي يعين سوريًا آخر، تولد سورية. في سعادة السوريين بإعداد “ثرود البامية” أو “التبّولة” أو “الكبيبات” ودعوة الأصدقاء، تولد سورية. في السهرات الصغيرة وقطع العهود على التواصل الدائم، تولد سورية. في استعداد امرأة سورية على تحمل متاعب جمع السوريين في لقاءات تعارف، تولد سورية. في المفارقات التي يكتشفها الطفل السوري، بين ما يرى هنا وما كان يرى هناك، تولد سورية. في التأكيد الذي يأتيك من أصدقاء سوريين استطاعوا البقاء أو يرفضون الخروج: “لا بد أنه سيتاح لنا اللقاء من جديد”، تولد سورية. في المرأة السورية التي تقول، بعد الاطلاع والتجربة: “كم تحتاج سورية إلى فكرة الجمعيات الأهلية والعمل الطوعي”، تولد سورية. بين عجلات الكرفان التي يطوف بها السوري محمد الرومي في بلدات فرنسا وغيرها، كي ينقل ويعرض الفن التشكيلي والمسرح والأدب والموسيقى السورية، تولد سورية. بين أصابع عاصم الباشا، وهو يشكل رأس المعري السوري، تولد سورية.

إنها تولد في صرخة طفل: “هذا البيت يشبه بيوت سورية”! وفي لكنة معلمة اللغة الفرنسية السورية القديرة، وهي تحتل مكانها المستحق بين الفرنسيين. إنها تولد وراء الستائر الشفيفة لبيوت الأسر السورية اللاجئة، وبين سطور الوظائف المدرسية، وفي ثنايا الجوارب الصوفية التي تحيكها الأم، ومع فرحة السوري بنجاحه في صنع شراب العِرق سوس، أو في استخراج العَرق السوري من العنب المتاح.

من “رفع الكلفة” في اللقاء الأول، من انشغال السوريين الذين لا يعرفون مكانًا لقبور أبنائهم، بابتكار مقبرة افتراضية للشهداء، تولد سورية. تحت سطح التعب واليأس وحيرة العيون، حين يجتمع السوريون في الخارج، تولد سورية. من ثقل الخسارة، تولد. من عظمة التضامن، تولد. من الضعف، من الكبرياء، من اقتسام اللقمة، من الذات الجريحة، من “حلاوة الروح”، من التحدي الرقيق، من الموت المفاجئ في المنفى، من تربة الحنين والشوق، من اليد التي توضع على الكتف لتوحيد المشاعر، من كبت الرغبة في البكاء، تولد.

يولد لون جديد يضاف إلى اللوحة الأصلية، لون أصيل ومن عمق اللوحة، فيه من الشقاء ظلال، ولكنها مغلوبة فيه لبريق نجاح لا يكف عن الاتساع. لون بحث طويلًا عن مكان يولد فيه، بعيدًا عن يد الاستبداد، وسوف يكون له دور في جعل الاستبداد غريبًا في سورية.

  • اللوحة للفنانة السورية عتاب حريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق