تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

حرب الثلاثين عامًا في أوروبا والثورة السورية واتفاقية ويستفاليا

في مقارنة بين كتاب (حرب الثلاثين عامًا: كارثة أوروبية، صدمة ألمانية) للكاتب الألماني هيرفريد مونكلر، والصراع في سورية خصوصًا، والشرق الأوسط عمومًا؛ هناك كثير من التقاطعات والدلالات السياسية المهمة.

في هذه النزاعات، نجد العديد من أوجه التشابه، بين حرب الثلاثين عامًا في أوروبا القرون الوسطى، وحروب الشرق الأوسط. ليس فقط في سورية، وإنما أيضًا تلك النزاعات الموجودة في كل من اليمن وليبيا. للوهلة الأولى ستشعر بوجود عدد كبير من الفصائل السورية التي تتقاتل في ما بينها من جهة، وبينها وبين النظام السوري من جهة أخرى، ويبدو الوضع السوري مُربكًا للغاية ويصعب فهمه، في الوقت الذي ما زال يتدفق فيه المقاتلون من الخارج، سواء مرتزقة إيران من الميليشيات الشيعية أو الجهاديين السنة، مع استمرار تدفق الأموال والأسلحة، حسب قاعدة قديمة في وصف الحروب، بأنها “لا تحترق ولا تتبخر”، وبالتالي يتم تغذية الحرب بشكل دائم من الخارج.

الحقيقة الثانية في سورية أن هناك عددًا قليلًا -نسبيًا- من المعارك الكبرى التي تسعى فيها الأطراف المتصارعة لاتخاذ قرار، فيأخذ الصراع شكل حرب حصار، وجيوب متمردة على النظام السوري، ليأخذ كل من طرفي الصراع موقعه في المدن الكبرى، من دون أخذ أي اعتبار لمصير السكان المدنيين، وليجد النظام فرصته في استخدام واستثمار إيذاء الطرف المقابل، مستخدمًا سلاح التجويع والحصار، وإيقاع أكبر عدد ممكن من الإصابات وزيادة الأمراض وكافة أنواع الوحشية، لتؤدي إلى عناصر ثلاثة هي: ارتباك الجبهات، واقتصاد الحرب المفتوح، وعدم قابلية فصل المقاتلين عن غير المقاتلين. ويمكن ملاحظة الأمر ذاته في حرب الثلاثين عامًا.

للوهلة الأولى هذه هي أوجه التشابه، أما الوجه الآخر فهو حول من يلعبون دورًا في إنهاء الحرب في سورية، ولكن ربما يبدو أن دورهم ثانوي، لأنهم يهتمون بتنفيذ الحرب آخذين بأسبابها. وهم في الوقت الحالي، يعتبرون مشكلة بالنسبة إلى السلطات التي تتدخل من الخارج. عبر أسئلة ذات صلة بهم: هل هو حليف قوي وموثوق؟ ومن يستحق الحصول على الدعم؟ وماذا يمكن أن نتوقع منه في المستقبل، في إعادة ملء الفراغ في حال سقوط النظام السوري؟ وما مقدار موارده الذاتية والمصداقية التي ترغب في استخدامها لهذا الهدف السياسي القوي؟

هذه الأسئلة جاءت بعد عام 1618 للسياسة الإسبانية والهولندية، وفي وقت لاحق أيضًا للمسيحيين في الدنمارك، ولغوستاف أدولف السويدي، ولكن بشكل خاص للكاردينال الفرنسي ريشيليو.

الهدف السلبي لهذه الأسئلة في يومنا هذا، بالنسبة إلى روسيا، وإلى الولايات المتحدة، وفي النهاية بالنسبة إلى الأوروبيين كذلك، أن الروس يتمتعون بميزة التحالف مع نظام الأسد، في حين أن الغرب لم يكن لديه سوى هدف سلبي، هو تقويض ما يسمى “الدولة الإسلامية”. والقضاء على أي فصيل ديني، قد يكون في بعض الأحيان على درجة عالية من الأهمية في تغيير مسار الحرب، وقد تحوّل هذا التقييد من السلبية إلى عيب استراتيجي؛ لأنه أدى في الواقع إلى تعزيز نظام الأسد. وبالتالي تقوية الدور الروسي. إن تصنيف هذه الحرب، باعتبارها “كارثة انسانية” كما هو شائع في ألمانيا، يخفي في الوقت الراهن حقيقة أن العمل الغربي في سورية يرقى إلى كارثة استراتيجية.

الجانب الآخر، في المقارنة بين حرب الثلاثين عامًا والحروب في الشرق الأوسط، أنها تتقاطع كصراعات بين العقائدية الدينية والمصالح الجيواستراتيجية، على التوالي، ومن المستحيل لكلا المنظورين أن يجتمعا في  مشروع الاستيعاب نفسه. في حرب الثلاثين عامًا، كانت القوى متداخلة -وإن كان واضحًا الخط الفاصل في الصراع الكاثوليكي البروتستانتي- والأمر ذاته ينطبق على من قدموا من السنّة، من مختلف أنحاء العالم، لدعم إخوانهم المسلمين، مع أن المصالح السياسية، على المدى الطويل، كانت أكثر أهمية بالنسبة إليهم. الوضع في سورية أيضًا يدور حول هذا السؤال، سواء في البحث عن حلفاء، وفقًا لمتطلبات التحول الديمقراطي والدستوري، أم عن الأمور التي بموجبها تتأثر التحولات والمتطلبات الجيواستراتيجية في المنطقة. في “سلام ويستفاليا” سادت المصالح الجيواستراتيجية، في حين تم إقفال وإغفال موضوع الصراع الديني في المعادلة، وهناك العديد من المؤشرات في سورية أو الشرق الأوسط، ولن تكون مختلفة عنها.

مع ذلك، لا يزال هناك تشابه بنيوي بين حروب الثلاثين عامًا، والحروب في الشرق الأوسط، وخاصة سورية، ومن المرجح أن يكون هذا العامل حاسمًا ومرغوبًا لإنهاء تلك الحروب، وكان هذا عبارة عن تراكب أربعة أنواع من الحروب، على الرغم من التسلسل الزمني لحدوثها وتداخلها، فقد بدأت حرب الثلاثين عامًا على أنها صراع دستوري، بين طبقة النبلاء في بوهيميا، الذين دافعوا عن حقوق المشاركة السياسية، والمهتمين بممارسة متشددة للسلطة، الموالين للملك فرديناند وعائلة هابسبورغ، هذا الخلاف بلغ ذروته على أبواب براغ. بدأت الحرب في سورية بما تمت تسميته، الربيع العربي، ومبدأ الصراع حول مسألة السلطة السياسية: أتكون بيد أسرة بعينها هي الأسد وعائلته وحاشيته، أو مع الجهات الفاعلة ذات الصلة في المجتمع. يمكن رؤية الصراع في سورية، على نحو مماثل لذلك، في بوهيميا بين 1618 و1620.

بطبيعة الحال، تداخل الصراع حول السلطة في بوهيميا منذ البداية، بسبب الصراع الديني الطائفي الذي نشأ بعد الإصلاح اللوثري والكالفني، وأدى إلى تكوين معسكر سياسي. كانت المعسكرات الطائفية هي الحزام الذي حول الحرب الأهلية البوهيمية إلى حرب طائفية أوروبية، والأمر ذاته بالنسبة إلى سورية، حيث أدت المواجهة بين السنة والشيعة، إلى تغذية الحرب الاجتماعية الداخلية، وفي الوقت نفسه أدت إلى تنظيم مجموعات التحالفات الدولية، وفي كلتا الحالتين، تنضم الحروب الدستورية والمذهبية لتتراكب معها حرب ثالثة هي حرب دولية، حيث تغتنم الفصائل الفردية الفرصة لنقل الحدود، التي طالما كانت شوكة لمصلحتها. لقد تم ضم حدود فيلوسوفيا إلى بافاريا في حرب الثلاثين عامًا، وكل من لوساتيا إلى ساكسونيا، وبوميرانيا إلى السويد، ولورين إلى فرنسا. كيف يحصل ذلك في الشرق الأوسط، علينا الترقب.

بعد كل شيء. كانت الحرب الرابعة وهي حرب الهيمنة، فقد كانت حرب الثلاثين عامًا حربًا مهيمنة، وحارب فيها كثير ممن لديه ما يقوله في أوروبا، كانت السويد وفرنسا هما الرابحتين، وكانت إسبانيا وهولندا هما الخاسرتين. في هذا النوع الرابع من الحرب، في الشرق الأوسط، تقف كل من إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا ومصر، كمتنافسين في الصراع السوري، انسحاب الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط. وفشل العراق كدولة وعامل توازن وقوة، والشلل المؤقت لمصر، كل هذا يعني أن مسألة الهيمنة لا بدّ من الرد عليها من جديد. وكان للأسف على سورية أن تدفع ثمن هذا الصراع على أراضيها، وفي حرب الثلاثين عامًا، دفعت ألمانيا ثمنًا غاليًا، بسبب مثل هذا التحول المؤسف.

لا سلام أبديًا؟ ماذا يعني هذا؟ وهل السلام ممكن؟

نجحت مفاوضات السلام في مونستر وأوسنابروك، استنادًا إلى حقيقة أن هذه المستويات الأربعة من الصراع. تم الفصل المنهجي لبعضها عن بعض، وحصلت تنازلات ما كان لها أن تحدث في أي وقت مضى، لتصبح تحفة دبلوماسية غيّرت العالم، واستمرت المفاوضات لأربع سنوات، وتم توقع فشلها عدة مرات، حتى حصل اتفاق ويستفاليا عام 1648، شكك الكثيرون في أن هذا السلام سيستمر، كان أهم ما فيه أنه ليس لتحقيق سلام أبدي، لكنه نجح في فصلها كحرب مدنية وحرب دول، وتجنب حروب دينية في المستقبل. لا ينبغي توقع المزيد لسورية والشرق الأوسط.

من شأن تطبيق مشابه لاتفاق ويستفاليا على الوضع السوري أن يجعل خطوط الصراع أوضح وتسويتها أسهل، وهو بدوره الشرط الرئيس لتجنب الحروب في المستقبل.

بالطبع، حققت اتفاقية ويستفاليا أهم وثيقة سياسية وحل دبلوماسي في التاريخ، وأرست أهم ثلاث مبادئ: مبدأ السيادة للدول، ومبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول، ومبدأ القومية والأمن القومي للدول.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق