اقتصادسلايدر

بعد عودة معبر نصيب للعمل؛ السوريون مهددون بتفاقم أزماتهم المعيشية

بعيدًا عن الثمار السياسية التي جناها النظام السوري ونظيره الأردني، من إعادة فتح معبر نصيب/ جابر الحدودي، يدور جدل واسع عن مدى استفادة المواطن السوري من عودة المعبر للعمل، بعد انقطاع دام ثلاث سنوات -وكان قد افتُتح رسميًا في الخامس عشر من الشهر الماضي- خاصّة على المستوى الاقتصادي والمعيشي اليومي، في ظلّ ما جناه نظيره الأردني الذي يعيش في بلده آمنًا مطمئنًا.

مشهد السيارات الأردنية المحملة بالبضائع السورية أثار تساؤلات كثيرة كان أبرزها: هل الأردن هو من كان محاصرًا أم سورية؟ وذلك بعد أن انتشرت، عبر مواقع التواصل الاجتماعي والصفحات الإخبارية، صورٌ ومقاطع فيديو من طرفي المعبر الحدودي، ظهرت فيها مئات السيارات الأردنية والشاحنات تخرج من سورية محملة بالوقود والبضائع المختلفة، من خضار وفواكه وغيرها من المنتجات المحلية. ترافق ذلك مع دخول أعداد قليلة من السوريين، من الأردن باتجاه أراضي بلدهم النازف، “لتسوية أوضاعهم” مع أجهزة نظام الأسد الأمنية.

محللون اقتصاديون في البلدين فسروا هذه “الهيستريا” الشعبية الأردنية، إن جاز التعبير، تجاه البضائع السورية على مختلف صنوفها، التي شوهدت محمّلة بأكياس ضخمة وعلب كرتونية كبيرة، وقد رُبطت بحبال تثبّتها إلى أسطح مركباتهم، بعد أن فاضت الصناديق الخلفية بالمواد الغذائية، إلى فروقات الأسعار بين دمشق وعمّان، خصوصًا مع تدني الليرة السورية مقابل الدينار الأردني، حيث إنّ كل دينار أردني يساوي 600 ليرة سورية، وهو ما ينعكس إيجابًا على المواطن الأردني. ولكن ماذا عن المواطن السوري؟!

غياب مشاعر التضامن مع عذابات الضحايا

المواطن السوري هو الضحية مما يجري، أما نظام الأسد وحفنة من التجار الجشعين فهم من يجنون ثمار هذا النهم الشعبي الأردني، فالمؤشرات التي رصدناها في الأسواق الدمشقية، السبت 27 من الشهر الفائت، تُظهر ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الخضار والفواكه وبعض السلع والمواد الغذائية، كالزيوت والأجبان. والسبب في ذلك، كما ذكر أكثر من بائع في سوق “باب السريجة”، تواصلت معهم (جيرون)، هو تأخر وصول الشاحنات المحملة للبضائع القادمة من درعا خاصّة، وأنّ ما وصل من بضائع خلال الأيام القليلة الماضية عرفَ زيادة في الأسعار، لا سيما الخضار والفواكه، على الرغم من أنّ جودة المنتوج تراجعت لحساب نقل المنتجات بجودة عالية إلى الأردن، بحسب أحد تجار الفواكه في السوق.

لم يخفِ الباعة والتجار الذين تحدثنا إليهم مخاوفَهم من زيادة الطلب الأردني على المحاصيل الزراعية الموسمية، وكذلك المنتجات الغذائية الصناعية كالخضار والمربيات المعلبة والزيوت والسمن الحيواني والنباتي، إضافة إلى الأجبان والألبان وغيرها، مشيرين إلى أنّ تواصل الحال سوف يعمّق أزمات المواطن السوري المعيشية، بعد سبع سنين عجاف.

حالةٌ أحدثت غضبًا في الشارع الأردني قبل السوري، وهو ما دفع الكاتبَ والأكاديمي الأردني د. موسى برهومة، إلى كتابة مقالٍ عن ممارسات بعض الأردنيين غير المرحب بها، قال فيه: “أحد الأيام شهد عبور حوالى ألف أردني، مقابل 392 سوريًا، وفق ما أفادت مصادر أمنية أردنية، الخميس، الثامن عشر من الشهر الماضي، في حين التقطت كاميرات الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، مشاهد لطوابير عدة لمتسوقين أردنيين، ربما زادت أعدادهم في الأيام اللاحقة. ولفت أحد المعلقين النظر إلى أنّ السوريين في الأردن يترددون في العودة إلى (بلادهم)، وهم الذين تربطهم بها الوشائج العصية على الوصف، ويغمرهم الحنين إلى منازلهم، وياسمين نوافذهم، لكنّ قلة من الأردنيين تتناسى هذه الحيثيات، وتنحدر بالعيش إلى مستوى متدنٍ لا مكان فيه للمبادىء ومشاعر التضامن مع عذابات الضحايا، فتذهب إلى مشاطرة من تبقى في بلاده البضائعَ والكساء والغذاء، من أجل توفير بضعة دنانير”.

فيما اكتفى الشاعر السوري نوري الجراح بالقول: “بمناسبة فتح المعابر مع نظام الأسد: سورية الجائعة إلى الحرية ترحب بالمتهافتين الجائعين إلى الخبز..”. وأضاف قائلًا: “إلى الجائعين المتهافتين على دم الضحية، إنّها سورية الكريمة وليست سورية الأسد”.

خبز السوريين وزيتهم في خطر

بحسب مدير جمرك جابر الحدودي، عقيد جمارك نائل عويس، فإنّ عدد المركبات التي عبرت بالاتجاهين منذ فتح المعبر حتى يوم الثلاثاء 24 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بلغ 4495 مركبة، بمعدل 2425 مركبة مغادرة، و 2070 مركبة قادمة، فيما بلغ عدد الشاحنات 70 شاحنة كانت محملة بالبضائع.

وذكرت تقارير صحفية سورية وأردنية متقاطعة أنّ أكثر من 100 سيارة من الجانب الأردني تقوم يوميًا بحمل المواد الغذائية، وأبرزها الخضار واللحم وزيت الزيتون وأصناف تموينية أخرى، من محافظة درعا وباقي مدن وقرى حوران إلى الأراضي الأردنية.

وتؤكد هذه التقارير من الجانب السوري أنّ “مواد مدعومة حكومية يشتريها أردنيون محتفون بعودة المعبر، وأُخرى بالكاد تكفي السوق المحلية، تأثرت أسعارها سريعًا، بدخول الزوار الجدد على خط الاستهلاك”. مشيرةً إلى أنّ خسائر السوريين التي برزت مع إعادة افتتاح المعبر عديدة، من ذلك أنّ آثار عبور الأردنيين بالمواد الاستهلاكية السورية خارج الحدود، يثقل كاهل المواطن السوري ويضر بمعيشته، ولا سيما تلك المدعومة حكوميًا.

ويأتي نقص الخبز في مقدمة المخاوف الخطيرة إزاء إعادة افتتاح المعبر، إذ إنّ توفير الدعم على مادة الخبز للسوريين بثمن منخفض، بقي من المسلّمات التي حافظت عليها الدولة طوال سنوات الحرب.

وبحسب محللين اقتصاديين، وتقارير اطلعت عليها (جيرون) نهاية الأسبوع الفائت، فإنّ المخاوف تبدو أكبر في ما يتعلق بزيت الزيتون، حيث شهدت أسواق دمشق والمنطقة الجنوبية، بعد أيام من إعادة فتح المعبر، ارتفاعًا ملحوظًا وغير منتظم في أسعار الزيت. ومع شحّ الموسم هذا العام في الساحل السوري، السوق الأول لإنتاج الزيتون، في ظل غياب إنتاج مناطق إدلب وريف حلب عن مناطق سيطرة الحكومة، يتزايد التهديد بوقوع خسائر بالجملة. ويأتي ذلك أيضًا مع بدء التجار احتكار المواد، التي يمكن تصريفها إلى الأردن بأسعار مضاعفة لسعرها في سورية. إذ بدأ المواطن السوري يلمس تأثرًا جديدًا في الأسعار، من خلال ارتفاع سعر ليتر زيت الزيتون أكثر من 100 ليرة في بعض المناطق، خلال الأيام الفائتة، فيما وصلت أسعار صفائح الزيت إلى 36 ألف ليرة، بعدما كان يمكن الحصول عليها بأسعار، تبدأ من 28 ألفًا ولا تتجاوز 32 ألف ليرة في أسوأ الأحوال.

البنزين في صدارة قائمة المواطن الأردني  

أردنيون حاولوا، عبر صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، توضيح أسباب هذه الهجمة على الأسواق السورية، بنشرهم فروقات الأسعار لعدد من المواد بين البلدين، كان أولها سعر المحروقات (البنزين)، مبرزين أن سعر تنكة البنزين في سورية يصل إلى 7 دنانير (4200 ليرة) بينما في الأردن 17 دينار أي أكثر من الضعف.

أما المواد الغذائية والخضار والفواكه، فنذكر، على سبيل المثال، أنّ سعر تنكة الزيت في سورية يبلغ حوالي 50 دينار ( 30 ألف ليرة)، بينما في الأردن 100 دينار، ويصل سعر كيلو التفاح في الأردن إلى 4 دنانير تقريبًا أي (2400 ليرة)، بينما سعره في سورية 30 قرشًا أردنيًا، وهكذا الأمر في كافة المنتجات السورية الغذائية الطبيعية والصناعية. ليس هذا فحسب، فالأدوية والمواد الطبية في الصيدليات القريبة من الحدود الأردنية في الأراضي السورية، صارت هدفًا للمواطن الأردني، بالرغم من ظروف إنتاج الأدوية السورية، في ظل الحصار الاقتصادي الغربي.

مصدرو الخضار والفاكهة في الأردن يجمعون على أنّ فتح المعبر سيخفض كلفة الاستيراد بدرجة كبيرة، حيث أدى إغلاقه قبل ثلاث سنوات إلى قطع عبور رئيسي لمئات الشاحنات الأردنية التي تنقل البضائع بين تركيا والخليج وروسيا والأسواق اللبنانية، أما اليوم فالشاحنات السورية المحملة بالزيوت والحمضيات والفاكهة، تدخل الأردن بكلفة شبه رمزية وأسعار زهيدة، مقابل أسعارها المرتفعة في الأردن. وأشار هؤلاء إلى أنّه قبل فتح المعبر كانت التكلفة على المستورد الأردني لكل كيلو غرام 20 قرشًا أردنيًا، فيما انخفضت بعد فتحه لتصبح الكلفة 5 قروش عن كل كيلو غرام. لافتين إلى أنّ المنتجات ستصل إلى الأسواق الأردنية بجودة أفضل، لأنّ شحنها سيستغرق عدّة ساعات فقط.

في هذا السياق، فإن الحديث عن استفادة اللاجئين السوريين في الأردن من فتح المعبر، هو مجرد هراء؛ إذا ما عرفنا أنّه في يوم الخميس قبل الفائت، عاد من اللاجئين السوريين في الأردن عبر معبر نصيب-جابر إلى الأراضي السورية، 256 شخصًا فقط، بينهم (77 امرأة و128 طفلًا)، وذلك بحسب مركز استقبال وتوزيع وإقامة اللاجئين التابع لوزارة الدفاع الروسية. وأشارت النشرة الإعلامية للمركز الصادرة يوم الجمعة 26 الشهر الماضي، إلى أنّ إعادة فتح المعبر الحدودي بين البلدين، المغلق منذ 3 سنوات، “أسهمت في رفع عدد اللاجئين العائدين إلى سورية، حيث بلغ عددهم من 18 تموز/ يوليو 2018 ولغاية 14 تشرين الأول/ أكتوبر، حوالي 350 لاجئًا سوريًا”،. وهذا رقم ضعيف جدًا؛ إذا ما علمنا أنّ عدد اللاجئين في الأردن نحو 1.3 مليون لاجئ سوري. وفقًا لبيانات رسمية، 666 ألفًا منهم مسجّل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ويعيش ما نسبته 81.1 بالمئة من اللاجئين خارج المخيمات، و133.1 ألف لاجئ داخل 3 مخيمات هي الأزرق، والمخيم الإماراتي الأردني، والزعتري، بحسب المفوضية.

يُشار إلى أن إعادة فتح المعبر جاءت بعد اتفاق أردني سوري، على إجراءات وترتيبات للدخول والخروج من المعبر، وفتحه يوميًا من الساعة الثامنة صباحًا حتى الساعة الرابعة عصرًا، ابتداءً من منتصف الشهر الماضي، ويسمح للمواطن الأردني بالمغادرة إلى سورية بسيارته الخاصّة أو كمسافر عادي، كما يسمح للشحن الأردني بالمغادرة إلى سورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق