تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

التطبيع لتوطين طاغية ومحتل في الوجدان

ليس من المُسلَمَات المسبقة، القول إن ما يحدد طبيعة “التطبيع السياسي” أو الثقافي أو الرياضي، أو أي شكل من أشكال التواصل مع الاحتلال الإسرائيلي، هو أثر لانخراط أحد الأطراف في عملية التسوية. المشهد ممتلئ بما يمكن أن نسميه أسبابًا أخرى، غير تلك التي يتذرّع البعض بأن أحد طرفي الصراع انخرط مع المحتل في علاقات لا يقول عنها إجبارية أو قهرية، ومن بين أهم مسلّمات مرحلة انجراف المجتمعات العربية التي تعرضت لعمليات إبادة، في سورية نموذج قوي وفاضح لتمرير تقبّل الجريمة والتطبيع معها، وتوطينها في العقل البشري، ليصبح وجود الزنازين والأفران وما تحتويه من آلاف الجثث، مع الاغتصاب الجماعي والقتل الجماعي والفردي بكل أشكال الوحشية، أمرًا مقبولًا، وليست هذه العملية في حقيقتها العميقة سوى نوع من تمرير تطبيع متبادل، وظيفته توطين الطاغية والمحتل “للأبد”.

بعد أن أتاحت الثورة السورية وتضحيات السوريين الكشفَ عن مركزية دور النظام، في البقاء على مجتمع مقهور وخاضع؛ أصبح التحول الجذري من الثورة ككل يعني “ضرورة” محاربة تطلعات السوريين في العناوين الكبيرة، كالحرية والعدالة والمساواة والمواطنة، ولا يمكن للعلاقة المشار إليها في توطين المحتل والطاغية أن تستمر، إذا تخطتها تلك المطالب، وسمحت بقراءة أعمق لدور المواطنة في بناء كل أشكال المقاومة والحريات، كاستجابة سياسية واقتصادية واجتماعية للعناوين والمفاهيم المسلّم بها، وكتلبية لمتطلبات طبيعية، آلياتها لا تحتمل الحدود والفصل بين مقاومة التطبيع مع المحتل، وتدعم الطاغية بتحويل الأوطان إلى حطام، كي يسهل للمحتل المرور بها وعليها وقت يشاء.

سيكون ممكنًا القول إن وظيفة الطاغية السوري الممكنة لا تكتمل من دون وجود المحتل، والعكس أيضًا كذلك، لا تكتمل صورة المحتل في عواصم عربية دون إرغام هذه المجتمعات على أن تكون تحت السيطرة المطلقة للطغاة، بما يشمل ما أنتجته آلة الدمار الواسع في تشكيل نواة الإسراع نحو الهرولة لإعادة بناء الطاغية، وتمرير الهدوء للمحتل، ومن ثم الطمأنينة لكرسي الطاغية، وإذا ما أحصينا عبارات السيطرة والانتصار التي يكررها المستبد في دمشق، مع الاختراقات التي أحدثتها قوى الاحتلال الروسي والإيراني؛ فستصبح هذه القوى برأسي مثلث، يكملها الاحتلال الإسرائيلي للتسويق في عواصم عربية أخرى.

تجوّل مندوبِ علي خامنئي في الجنوب السوري، وقاسم سليماني، لا يختلف عن تجوّل نتنياهو في عواصم أخرى ولنفس الأهداف، ومن قبلهم فلاديمير بوتين وقف منتصبًا في حميميم يستعرض قوته هناك، فضلًا عن استعراض فِرق الاحتلال المختلفة راياتها في قلب دمشق وأسواقها وأحيائها. تعني هذه الاستعراضات أن مشاريع التطبيع لن تكون مقتصرة على جانب محدد يريده النظام وقوى الاحتلال، فهي  مثلُ ظهور نتنياهو في عواصم عربية أخرى. هذه الآلية التطبيعية الفظيعة ثمة فرق بينها وبين المحتل الإسرائيلي، فهي في نهاية المطاف تخدم رواية الطاغية في الأبد، ورواية المحتل في إسناده، وما دمنا نتحدث عن التطبيع، كأحد وسائل الاستعمار الداخلي، فليس من الضرورة أيضًا أن يكون التطبيع فقط مع الاحتلال الإسرائيلي، لنأخذ ممارسات التطييف للمجتمع السوري، والتشييع والتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي وتزوير التاريخ واختزال الوطن بقاتل مهووس، إنها لا تختلف بالأهداف عن تلك التي يريدها الإسرائيلي من خطة الاعتراف به أو التطبيع معه، بمعنى آخر: تقوم كل تلك الممارسات على إرساء تطبيع ما بين المُضطهِد والمُضطهَد والمُستعمر و المُستعمَر.

أخيرًا، يُدهشنا حياد البعض، في اختيار مقاومة تطبيع لمحتل، وقبول تطبيع مع محتل آخر، بل تمجيده على نحو لا أخلاقي في المشهد السوري، وهو يشهد انجراف مجتمعات تعرضت لأبشع عمليات القتل والتهجير والانقلاب والانقضاض على ثورة. وإذا زدنا على ما كان يؤكد هؤلاء ويلمحون في كل مناسبة، طوال عقود مضت، أن التطور والتقدم يستلزم نشر الديمقراطية وتفكيك الاستبداد؛ فإن الدهشة تضمحل ويزول الشك والتساؤل، حين ينبري البعض للانضمام إلى حلف مقاومة التطبيع مع المحتل الإسرائيلي، ويقبل جرائم الاستبداد والطغاة والدعوة للتطبيع والتصالح مع محتلين يساندانه على الأرض بممارسات فاشية، فالذي ورد عن الديمقراطية والاستبداد والحرية والنضال… إلخ، هو “للقراءة والمتابعة”، وهذه عبارة تُرفق في كتب الأجهزة الأمنية العربية فقط، وهي من مهمات “لجان مقاومة”، تطبيع هناك وركوع هنا عند أقدام الطاغية والهتاف لقوى الاحتلال الإيراني والروسي، التي تخدم المحتل وتزيد التصميم على مقاومته مع طاغيته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق