اقتصادسلايدر

التنمية مسألة سياسية.. لكن حكومة الأسد ترى غير ذلك

تعقيبًا على حصيلة سبع سنوات من الصراع في سورية، تساءلت المنظمة الدولية للصليب الأحمر، على موقعها الرسمي: كيف يمكن لأحد أن يتعافى من أهوال الحرب، وهو يعيش وسط هذا الدمار؟!

في واقع الأمر، لا أحد. فالبلد الذي دمره الأسد بوحشية، ويروج اليوم لاستقراره، لم يشهد -بخلاف التصريحات الرسمية- أي تحسّن في ما يتعلق بالاقتصاد؛ فما يزال الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، يحافظ على نموه السلبي إلى الآن. ويشير المسح الاقتصادي الذي أجرته ESCWA إلى أن حصيلة معدل هذا النمو بلغت ناقص 2.3 خلال السنة الأخيرة، فيما أدرج أطلس التنمية المستدامة لمجموعة البنك الدولي، سورية، ضمن الشريحة الدنيا للبلدان متوسطة الدخل. أما بالنسبة إلى دخل الفرد السنوي من الناتج المحلي الإجمالي بالذات، فقد حلّت سورية في المرتبة 188، وهو الترتيب العالمي الأخير على لائحة منتدى الاقتصاد والمال والأعمال التابع للأمم المتحدة.

في السنوات القليلة الماضية، تسارع انحدار الوضع الاقتصادي والمعيشي إلى درجة مذهلة. صحيفة (الوطن) “شبه حكومية” التي كثيرًا ما ابتهجت بسياسات الأسد، وأيّدتها، نشرت في 2018/9/26 مقالًا لـ نبيل الملاح، كشف فيه حجم معاناة الناس وانكماش أحلامهم، إذ يقول: “الذين تراجع دخلهم ويشكلون أغلبیة الشعب السوري، مقابل ارتفاع تكالیف المعیشة بما یزید أضعافًا مضاعفة على الدخل، صابرون، محتسبون، ینتظرون تحسن الأحوال للخروج من ضیق العیش، ومن الحرمان من الغذاء والعلاج واللباس اللازم لاستمرار حیاتھم بالحد الأدنى. إن ھؤلاء بالتأكید لا یحلمون بالذھاب إلى المتنزھات والمطاعم والمولات، ولا حتى إلى الحدائق، لعدم قدرتھم على تحمّل أجور النقل وألعاب الأطفال”.

ارتفع معدل التضخم بین عامي 2011/ 2017، بحسب الموقع الرسمي لاتحاد المصدرين السوريين، إلى 1200 بالمئة. ویعیش سبعة من كل عشرة سوریین في فقر مدقع -بحسب برنامج الأغذية العالمي- ومنذ بدء الصراع، شھدت أسعار المواد الغذائیة ارتفاعًا كبیرًا، ولم تعُد في متناول الكثیرین، حيث وصل سعر الخبز “المادة الرئيسة” إلى ثمانية أضعاف سعره في مرحلة ما قبل الحرب، وقدّر المكتب المركزي للإحصاء (وهو مؤسسة حكومية تابعة لحكومة الأسد) ارتفاع تكلفة المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية، بنسبة 769 في المئة، والخضراوات والبقولیات بنسبة 649 في المئة، والملابس بنسبة 733 في المئة، والكھرباء والغاز ووقود التدفئة بنسبة 618 في المئة، وخدمات الرعایة الصحیة بنسبة 481 في المئة، ويتوقع أن تكون هذه النسب قد ازدادت أيضًا، خلال العام الجاري.

على الأسد أن يقتنع بأن الوضع الكارثي لاقتصاد بلاده لن ينتج تحسنًا يدعم بقاءه أو استمراره في سدة الحكم طويلًا؛ ذلك أن حربه ضد خيارات شعبه أدت إلى توقف الخدمات العامة، في كثير من المناطق، وأصبحت شبه معدومة حتى ضمن المدن الرئيسة. وقد كشفت الأمطار التي هطلت مؤخرًا على العاصمة دمشق، عدم صلاحية البنية التحتية في الأزمات؛ حيث نتج عن ذلك تعرض بعض مرافق المدينة وضواحيها، وأملاك المواطنين الخاصة، لأضرار بليغة.

على صعيد قطاعات المياه والكهرباء والتعليم والصحة، وهي القطاعات التي تندرج ضمن مشاريع دعم التنمية البشرية، تراجعت خدماتها على نطاق واسع. وقبل أسبوع، أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 70 بالمئة من السوريين لا يحصلون على مياه شرب مأمونة، وتشير تقارير البنك الدولي إلى أضرار فادحة لحقت بالموارد الأساسية الضرورية لبقاء السكان، وبيئة العمل، والبيئة الإنتاجية، كما أدى الاستهداف المنهجي للمنشآت الصحية إلى تعطيل النظام الصحي بشكل كبير، وعودة الأمراض المعدية (كشلل الأطفال) إلى الانتشار، وتؤكد التقارير أن عدد الذين يموتون، بسبب عدم القدرة على الحصول على الرعاية الصحية، أكثر من عدد المتوفين نتيجة القتال. وبسبب الأضرار التي لحقت بالمنشآت التعليمية، واستخدامها كمنشآت عسكرية؛ تعطلَ النظام التعليمي، وخَفّض نقص الوقود إمدادات الكهرباء للمدن إلى نحو ساعتين في اليوم، الأمر الذي أثر في مجموعة من الخدمات الأساسية.

لا ينظر نظام الدكتاتور الأسد إلى البؤس الذي تعاني منه البلاد، باهتمام، وهو بؤسٌ لا يقلّ -في تقديري- عن بؤس خطط التنمية وخطط الاستقرار التي يطلقها بين فترة وأخرى. ففي 23 من الشهر الجاري، قام رئيس الحكومة عماد خميس، على سبيل المثال، بجولة تفقدية للمنطقة الشرقية، وأطلق في دير الزور -بحسب الإعلام الرسمي- خطة تنموية شاملة. وعوضًا من أن يعلن تبني الحكومة فهمًا أعمق للتنمية، حيث يتم السماح للناس أن يعيشوا نوع الحياة الذي يختارونه، وأن يتم تزويدهم بالأدوات المناسبة، والفرص المؤاتية لتقرير تلك الخيارات. وبالتالي تعظيم الإنسان، وتطوير مهاراته، وقدراته، حتى يتمكن بمجهوده من الارتقاء بمستوى دخله ومعيشته. كانت الخطة تقتضي، كما حدث بالفعل، أن يعود النصب التذكاري للأسد الأب إلى الساحة التي أزيح عنها قبل سنوات. وهو تأكيد يرسم خطوط “قاتمة” وواضحة، لطبيعة التنمية المقررة، ولحاضر البلاد ومستقبلها، إذا ما استمر الأمر على هذا النحو. ومن المؤكد أن التصريحات التي انتشى فيها بقوة الدولة العسكرية، وقوة الخطوات التي تخطوها، لا يمكن بحال أن تُعبّر عن تغيير مرتقب، يستهدف حياة الناس ويوسع خياراتهم في التعليم والصحة والدخل، والأهم من ذلك، يوسع حرياتهم وفرص مشاركتهم الفعالة ضمن المجتمع.

إن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يؤكد أن التنمية هي مسألة سياسية بقدر ما هي مسألة اقتصادية، “من حماية حقوق الإنسان إلى تعميق الديمقراطية”. وما لم يتمكن الفقراء والمهمّشون، من التأثير في العمل السياسي، على المستويين المحلي والقطري؛ فمن المستبعد أن يجدوا الإمكانية المنصفة، للحصول على الحقوق والوظائف والمدارس والمستشفيات والعدالة والأمن والخدمات الأساسية الأخرى. غير أن الأسد الذي يعمل وفريقه الحكومي، على تقديم مفاهيم مختلفة للحياة داخل البلاد، إنما يخدع شعبه، ويسوق بروباغاندا سلطة تعيد إنتاج نفسها. وفي كل الحالات، لا يمكن الوثوق بها أو تصديقها.. إنه يحلم بمواصلة حكمه، لكن الواقع يقول غير ذلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق