سلايدرقضايا المجتمع

لماذا هذا الربط المريب بين العرب والسنة؟!

من الملاحظ وجود ارتباط غريب ومريب، في أذهان الكثيرين، بين مفردتَي العرب والسنّة (في سورية والعراق على الأقلّ)، حيث لا يتم الحديث إلا عن عروبة السنّة و/أو عن سنّية العرب، عند تناول “المكونات الدينية والطائفية والإثنية” لمجتمعات هذه الدول، في حين يتم تجاهل عروبة المكونات الأخرى أو سنّيتها، لصالح التركيز على انتمائها الديني أو الطائفي أو الإثني المغاير؟

في دراستي النقدية لكتاب عزمي بشارة (في المسألة العربية…) انتقدتُ إصرار بشارة على القول إن رابطة العروبة هي الصمغ الضروري الذي يمنع الانحدار إلى مستنقع الولاءات قبل الوطنية (الدينية والطائفية وما شابه)، وإنه من دون التمسك بهذا الصمغ والتأسس أو التأسيس عليه؛ لا يمكن بلوغ دولة المواطنة الديمقراطية في العالم العربي. وعلى الرغم من استمرار اعتقادي بأحقية انتقادي المذكور، فإنني بدأت أدرك، على نحو أوسع، الرابطَ القوي بين تغييب الرابطة الإثنية الثقافية العامة، والانزلاق إلى الولاءات الطائفية والدينية والقبلية او المناطقية الضيقة. وعلى هذا الأساس أجد نفسي حاليًّا مضطرًا إلى التساؤل عن سبب تغييب كثير من الناس لرابطة العروبة، في كثير من السياقات التي تستدعي استحضارها.

في إطار السيمنار الذي أديره في جامعة كولن، قدّم لي أحد طلاب ماستر العلوم السياسية بحثًا يتضمن حديثًا عن ثلاثة مكونات طائفية/ إثنية أساسية في العراق: الجماعة الشيعية، الجماعة الكردية، العرب السنّة. وفي مناقشتي للطالب، سألته عن سبب تغييبه عروبة الشيعة وسنّية الأكراد، في تصنيفه؛ فقال إنه لم يفكر بالأمر كثيرًا، وإنه استخدم المصطلحات التي وجدها شائعة ومتداولة في النصوص التي استند إليها في بحثه.

الطالب محق في قوله بشيوع هذه المصطلحات والتصنيفات، ليس لدى كثير من النصوص الغربية، الأكاديمية وغير الأكاديمية فحسب، بل لدى كثير من السوريين والعراقيين على سبيل المثال. ففي سلسلة منتديات أو ندوات (الصندوق الأسود السوري – التركيز على التنوع السوري)، التي نظمتها مؤخرًا منظمة (مدى) للتنمية الثقافية والفكرية في برلين، بالتعاون مع اتحاد المنظمات الألمانية السورية، كان واضحًا حصرية الارتباط بين العروبة والإسلام، في ذهن منظمي هذه الندوات وكلماتهم. ففي حين أنهم اقتصروا، في نصوص الدعوة إلى هذه الندوات، على الحديث عن العرب بوصفهم مسلمين سنّة، لم يكن هناك، في المقابل، أي إشارة إلى  سنية (أو علوية) الأكراد أو التركمان أو (مسيحية) الأرمن، أو عربية المسيحيين أو العلويين أو الدروز… إلخ. ووفقًا للخريطة التي اعتمدها منظمو هذه الندوات؛ فإن العرب في سورية هم المسلمون السنّة فقط، والمسلمون السنّة هم العرب فقط، أما باقي الأقليات الدينية (المسيحيون مثلًا) والطائفية (العلويون أو الإسماعيليون مثلًا) فقد تم التركيز على أقلويتهم الدينية أو الطائفية، ونفي عروبتهم، من خلال تصنيفهم على أنهم مجرد ناطقين بالعربية “arabic speaking“. وكذلك كان الحال في خصوص الأقليات الإثنية (كالأكراد والتركمان مثلًا)، حيث تم تغييب انتمائهم الديني أو الطائفي، والتركيز على أقلويتهم الإثنية فقط.

قبل اللجوء إلى أحكام القيمة والتقييم والإدانة في خصوص هذه التصنيفات، من الضروري البحث عن أسبابها ومسوغاتها لدى متبنيها. وفي هذا السياق يمكن الحديث عن طرفين رئيسين يتبنيان هذه التصنيفات “المريبة”: طرف أول يقوم ذلك عامدًا متعمدًا، لغرض “سياسيٍّ” معلنٍ أو كامنٍ في نفسه، وطرف ثانٍ يقوم بذلك عن جهلٍ و/أو استسهال أو سذاجة وما شابه، حيث إنه لا يدرك متضمنات هذه التصنيفات والنتائج النظرية و/أو العملية، المعرفية و/أو السياسية والاجتماعية والأخلاقية، التي قد تفضي إليها.

إضافة إلى الطرفين المذكورين، ربما كان بالإمكان التفكير في وجود طرف ثالث، يستخدم هذه التصنيفات لقناعته بأنها تعبّر عن الواقع وتمثله بعيدًا عن الشعارات الرغبوية. ووفقًا لرأي هذا الطرف، فإن معظم أفراد العرب السنّة والأكراد يُغلِّبون، في وعيهم وتنظيراتهم وممارساتهم، انتمائهم الإثني على انتماءاتهم الدينية والطائفية الأخرى، ولهذا ليس من الخطأ تقديمُ العرب السنّة على أنهم عربٌ بالدرجة الأولى، والأكراد على أنهم أكراد فقط أو بالدرجة الأولى. في المقابل يبقى الوعي الطائفي/ الديني الأقلوي، وفقًا لرؤية هذا الطرف الثالث، هو المهيمن لدى الأقليات الدينية. وعلى هذا الأساس؛ يكون من المعقول الحديث عن هذه الأقليات، من منظور انتمائها الديني/ الطائفي الأقلوي، بالدرجة الأولى أو فقط.

من الضروري مناقشة رؤى هذه الأطراف الثلاثة، والتنبيه إلى مدى أهمية الموضوع الذي تتضمنه. فبالنسبة إلى الطرف الأول، من المهم الكشف عن المشاريع السياسية التي تقف خلف تبني هذه التصنيفات أو حتى اختلاقها والعمل على نشرها. وإن الكشف عن هذه المشاريع هو خطوة أولى في طريق مناقشتها وتبنيها أو رفضها ومجابهتها بمشاريع سياسية مختلفة عنها ومخالفة لها. وبالنسبة إلى الطرف الثاني، من المهم تنبيه أفراده إلى متضمنات هذه التصنيفات والمشاريع السياسية التي يمكن أن تؤسسها وتتأسس عليها، والنتائج متعددة الأبعاد والمستويات التي يمكن أن تفضي إليها. أما بالنسبة إلى الطرف الثالث، فمن المفيد والضروري مناقشة وجهة نظر أفراده بكل جدية، لمعرفة هل هذه الرؤية تعبّر فعلًا عن تشرذمٍ واقعيٍّ لشعوب هذه المنطقة، أم أنها تسهم في خلق هذا التشرذم، بواقعيتها المزعومة وموضوعيتها الموهومة.

في كل الأحوال، تبقى هذه التصنيفات ظاهرة تستحق الاهتمام الشديد من كل المفكرين والباحثين والمعنيين بالشأن العام. وينبغي التشديد في هذا السياق على “مسؤولية” الكلمة في هذا الخصوص. فعلى المستوى السياسي، وفي إطار الحديث في الهم العام، يمكن أن “يكون القول فعلًا”، إضافة إلى أن “الفعل هو قول” بمعنًى ما. ومن هنا ضرورة التفكير في متضمنات وتبعات كلامنا وعدم استسهال تبني مثل هذه التصنيفات. وما هو جدير بالانتباه في هذا الخصوص، هو ضرورة عدم اختزال هوية الإنسان الفرد أو الجماعة إلى بعدٍ واحدٍ، يقصي ليس بقية أبعاد الهوية والشخصية فحسب، بل يقصي كل الأشخاص والجماعات التي تنتمي تلك الأبعاد المقصاة إلى الصيرورة التاريخية لهويتها. وإلى جانب الاعتراف بتعددية أبعاد الهوية والانتماء، ينبغي التفكير في إمكانية إقامة تراتبية ما لهذه الأبعاد والانتماءات المتعددة، بحيث يكون الانتماء الإنساني/ الأخلاقي العام هو الأساس الذي يستوعب كل الانتماءات، الأضيق منه ويوجّهها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق