كلمة جيرون

الدولة والمزرعة

ليس دفاعًا عن أحد، ولا موقفًا ضدّ أحد، لكن ما جرى في الأيام الأخيرة، بين تركيا والسعودية، وما جرى قبلها في سورية وفي كثير من الدول العربية، يستدعي تذكير من نسي، وتوضيح الأمر لمن خفي عليه أو فاتته المقارنة.

الدولة هي المؤسسات التنفيذية للوطن، التي تُنظّم المجتمع بإشراك المواطنين ولمصلحتهم، وهي التي تضبط الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهدف إلى تقدّم الوطن وازدهاره وتحسين مستوى حياة الأفراد فيه، وهي الكيانات التي تُصاغ فيها القرارات لتُعبّر عن المصالح الأكثر أهمية للمجتمع، والتي تسعى لحفظ الأمن والنظام وتحقيق العدالة، وتنظم القضاء والمحاكم، وترعى العلاقات الخارجية، وتراقب وتُسيّر المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، كما ترعى التعليم والثقافة وحرية الإعلام والصحة والخدمات والحريات الإنسانية، للجميع من دون استثناء ودون تمييز.

أما المزرعة فهي ملك شخصي، يفعل بها صاحبها ما يشاء، يفكر ويخطط وينفذ وفق رغباته، هو الإمبراطور والملك والرئيس والسيد، يبيع ويشتري بها كما يشاء، ويعتقد أن له الحق حتى في تدميرها أو حرقها أو إفنائها.

المزرعة لا تخضع إلا لمزاجيات صاحبها وأهله وأقربائه وأحيانًا أصدقائه، قوانينها تتغير وفق الهوى، وتميل مع المنفعة الخاصة، وتتأرجح، تصعد وتتهاوى، وتُرتكب كل الموبقات فيها، من دون حسيب أو رقيب.

في قضية خاشقجي، كانت تركيا دولة والسعودية مزرعة، وفي القضية السورية كانت سورية مزرعة لأسرة، ولم تكن دولة، ومثلها كان العديد من الدول العربية: مصر والعراق واليمن وليبيا وغيرها.

في الدولة، تُصان الحريات والحقوق، ويعرف كل فرد واجباته وحدوده، ما له وما عليه، أما في المزرعة فلا كرامة لأحد، ولا صوت يعلو فوق صوت مالكها. ولهذا؛ في الدولة يُضحي الشعب من أجل دولته، وفي المزرعة يهرب الشعب من سجّانه، وعلى ذلك؛ عندما نفكّر أن نبني وطنًا، يجب أن يكون دولة لا مزرعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق