مقالات الرأي

لماذا يورد المستبد نفسَه المهالك؟!

لعلّ أبرز ما يميّز دولة الاستبداد غياب مبدأ المحاسبة، فالقانون في دولة الاستبداد وُضِع ليحكم عامّة الشّعب دون هرم السّلطة، أيًّا كان رأس هذا الهرم، رئيسًا أو ملكًا، فسلطة المستبد “إلهيّة” محاسبتها كفر، والتّشكيك فيها ضلال، وبالتالي كان طبيعيًا أن تكون معارضته ومناقشته “رِدّة وزندقة وخيانة”، وهذا ما يفسّر جزءًا من إجرام المستبدين، سواء مع شعوبهم أو معارضيهم، فهم يُسبغون على إجرامهم صفة القداسة، وتساعدهم في هذا الإجرام بطانة وحاشية السّوء التي تلوذ بالمستبد، إذ تعمل على غرس هذه العقيدة في ذهن المستبد ما استطاعت، لا حبًّا به، إنّما سعيًا لستر جرائمهم وتحقيقًا لمآربهم، ويصبح المستبد هنا رأس هرمٍ في لعبة قذرة يعتقد أنّه يتحكم في خيوطها، ولا يشعر إلّا بعد فوات الأوان بأنّه مجرد مِعول هدم لوطنٍ جعله غروره وغطرسته يحسب أنّه يبنيه.

وليس غريبًا هنا حجم الغباء الذي يسيطر على المستبد وحاشيته، وليس مرجع ذلك الغباء غياب القدرات والإمكانات العقليّة، إنّما غياب مبدأ المحاسبة، وسيطرة جنون العظمة، فكلّ خطايا المستبد تُزيّن له على أنّها حسنات، وعند فشل خططه في التّنمية والبناء -هذا إن وجدت خطط حقيقيّة لذلك- يُلقى باللائمة على عامّة الشّعب، وعلى “الخونة” الذين عرقلوا مسيرة الإصلاح أو التّطوير، فقائمة التّهم جاهزة وواحدة عند كلّ المستبدّين، وهكذا يتحوّل الفشل في دولة الاستبداد إلى “انتصار” بفضل الفاسدين المحيطين بالمستبد (هزيمة حزيران/ يونيو 1967 مثال واضح صارخ) وتتراكم الأخطاء فوق الأخطاء، ليصبح الوطن قاعًا صفصفًا لا يبرز فيه إلا الفاسدون المنافقون على كافّة الصّعد، ويصبح صوت الحقّ والعدل نشازًا!

والمتتبّع لواقعنا العربي البائس لا يجد عناءً في تتبُّع تفاصيل ذلك، بدءًا من مصر، مرورًا بسورية واليمن، وليس انتهاءً بالسعودية وغيرها من دول العالم العربي، فكلّ من يُعارض المستبد “خائن”، مصيره السجن أو القتل أو الهجرة.

قضيّة اختفاء أو إخفاء الكاتب الصحافي السعودي جمال خاشقجي تأتي في هذا السّياق، فجمال خاشقجي لم يكن معارضًا، ولم يُفكّر يومًا أن يكون معارضًا، بل كان رجلًا وطنيًّا ناصحًا محبًّا لوطنٍ رآه يحترق أمام عينيه، ويتحول ممّا اصطلح على تسميته “الحكم الرشيد” إلى “الحكم المستبد”، فلم يرُق للاستبداد سماع صوته، وأصوات كثير من الوطنيين أصحاب الضمائر الغيورين على أوطانهم، شأنهم شأن الأحرار في مصر وسورية وغيرهما من دول العالم العربي، ليتأكد مجدّدًا أنّ حقيقة الاستبداد واحدة، وإنْ غيّرَ وجهه، وحاول تجميله بشعارات الإصلاح والتّطوير والانفتاح. ونجزم هنا باستحالة إحداث ثغرة في جسم الاستبداد عبر النّصح والإرشاد، ناهيك عن عبثيّة الثورة الفوضوية على منظومة الاستبداد، لأنّ المستبدّ يُحصّن نفسه داخليًّا بدائرة من المنتفعين، ويحصّن نفسه خارجيًّا، من خلال رهن البلاد لقوى عالمية، ومن يتتبّع حال مصر وسورية والسّعودية؛ يلحظ اعتماد المستبد في هذه الدول على هذه القوى الدولية التي لا تُقهر إلّا بثورة خاطفة سريعة مُنظَّمة تضع القوى الدولية أمام الأمر الواقع.

وعلى الرغم من ذلك، تبقى الأصوات الحرّة -كجمال خاشقجي- ضرورة لا غنى عنها للثورة الخاطفة؛ فهي تُهيّئ الأرضيّة الخصبة للثورة، حيث إن هذه الأصوات تعطي الأمل للجماهير، من خلال التوعية والنصح والإرشاد، فالنصائح التي وجهها جمال خاشقجي وغيره لا تندرج تحت عنوان النصيحة للحاكم فحسب، إنما التوعية للأمّة بحقوقها وبما يجب أن تكون عليه.

ويتعاظم غباء الاستبداد أمام هذه الأصوات، إذ يحاول إسكاتها، بدلًا من استثمارها في تطوير الوطن، وبناء مشروع وطني يعمل على هدم ما بناه هو قبل غيره، والأمثلة على ذلك كثيرة، فبدلًا من أن يستثمر بشار الأسد (إعلان دمشق) بدايةً وثورات الربيع العربي لاحقًا، فيكون رجلًا تاريخيًا، ينقل سورية من طور الاستبداد إلى طور الحداثة والديمقراطية، نراه جزّارًا مجرمًا قاتلًا لشعبه، حارقًا لوطنه، ومثله من يحكم في السعودية، حيث حصل على فرصة تاريخية لبناء الدولة السعودية الحديثة، لكن عقلية المستبد حالت دون استثمار التحولات التاريخية والفرص الذهبية لهم، ويبدو أنّهما ينظران إلى الوطن على أنّه مال ومتاع حصلا عليه بالوراثة، ويحقّ لهما بالتالي التصرف به، غير مدركِين أنّ الشعوب تأبى أن تكون متاعًا، وهي إن صمتت، أو أُصمتت كرهًا؛ فإنها تتحيّن الفرصة، فلا يعلم أحد حرارة الجمر تحت الرماد. فالشعوب لن تسكت عن هذه الجرائم، بل إن هذه الجرائم، ولا سيما الحمقاء منها، ستورد المستبد المهالك التي ظنّ أنّه في منأى عنها، وأول الهلاك تهشّم الصّورة وتصدعها داخليًا وخارجيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق